فداحة خيار العنف
بقلم/ نائف حسان
نشر منذ: 8 سنوات و 11 شهراً و 20 يوماً
الثلاثاء 23 أغسطس-آب 2011 03:26 ص

دائماً؛ تتحول المليشيات المسلحة إلى عبء حقيقي على السكان المحليين. ورغم يافطة القضايا الوطنية والإنسانية التي ترفعها المليشيات لتبرير خروجها المسلح؛ إلا أن تجارب التاريخ تؤكد أن المليشيات المسلحة ذات الأهداف الأخلاقية تتحول إلى خطر حقيقي تُحول المجتمع إلى ضحية لها. تدريجياً؛ تبدأ المليشيات بممارسة الجباية، النهب، السرقة، وعمليات القتل المنفلت. ويبدو أن إحدى هذه الأعراض بدأت تظهر في مدينة تعز؛ فالمسلحين الذين نزلوا إلى الشوارع لـ"حماية شباب الثورة" بدأ بعضهم يُمارس عمليات جباية على عدد من أصحاب المحلات التجارية، ثم تطور الأمر إلى عمليات نهب. وحتى الخميس الماضي؛ نهب مسلحون محسوبون على الثورة 8 سيارات خاصة تقطعوا لها في شوارع مختلفة داخل مدينة تعز. نهبوها بالقوة من أصحابها، الذين كان بعضهم برفقة نسائهم وأطفالهم الذين أرهبتهم فوهات بنادق "حماة الثورة"، وشهدوا حالة رعب حقيقية لم يعرفوها من قبل.

المؤكد أن هناك من يسعى لإغراق تعز في حمام من العنف. أظن هذا المخطط قد فشل، بشكل جزئي على الأقل، بيد أن خطر هذه الممارسات المنفلتة للمسلحين يتجاوز الإساءة للثورة، إذ يُدخل تعز في مرحلة جديدة، هي مرحلة النهب التي كانت إحدى سمات قبائل صنعاء، وما حولها.

كنا ضد مواجهة عنف السلطة بعنف مسلح مضاد لأننا نرى أن قوة ثورة الشباب تكمن في طابعها السلمي، ولأننا ندرك أن العنف هو ميدان تفوق النظام الذي يُراهن عليه لضرب الثورة، عبر نزع طابعها السلمي. وقد تردد كثيرون في التنبيه لخطر دخول الثورة في هذه المرحلة، سيما مع تصاعد الهستيريا الثورية التي تلبسها بعض الطفيليات والغلمان، الذين أخذوا يوزعون صكوك الثورة، ويُصنفون الناس ويلصقون الاتهامات بكل من يختلف معهم، أو يعترض على طريقة عملهم.

أخذ الغضب كثيرون تحمسوا لنزول المسلحين القبليين إلى شوارع تعز، وهلل آخرون تحت نشوة أن "تعز فيها رِجال"، دون أن يدركوا أن تميز تعز يكمن في مدنيتها السلمية، ووقوفها بعيداً عن قذارة سلوكيات العنف اليومي، والنهب. غاب صوت العقل الجمعي، وتحت مبرر "حماية شباب الثورة"؛ تم الدفع بالمسلحين، وجرى تحويل مدينة تعز إلى ساحة حرب. مع الوقت؛ بدأ الجميع يدرك فداحة هذا الخيار، إلا أن اللواء علي محسن مازال يُراهن عليه، ويقف خلفه بهدف إنهاك النظام عبر مواجهته في أكثر من جبهة، بعيداً عن العاصمة صنعاء.

طوال الثلاثين عاماً الماضية؛ تمكن اللواء علي محسن من تقديم نفسه في صورة الرجل القوي، صاحب القرار والقوة المعتمد على شبكة واسعة من النفوذ بناها داخل المجتمع القبلي، والجماعات الجهادية الإسلاموية. ومن الواضح أنه يعمل اليوم، بشكل حثيث، لتأكيد وحماية هذه الصورة التي رسمها لنفسه، لهذا يجد لترسيخ ذاته كقوة حاسمة عبر سعيه الحالي لإسقاط معسكرات الحرس الجمهوري، والسيطرة عليها.

يعتقد علي محسن أن الثورة لن تنتصر إلا بإسقاط معسكرات الحرس الجمهوري وإعلانها الولاء له! ويبدو أنه يرى أن الثورة لن تنتصر إلا عبر دفع المحافظات نحو حالة من الفوضى والعنف؛ كما حصل في الجوف وأبين! ولئن كان هذا الرهان يعتمد على قدر من الوجاهة؛ إلا أن الطبيعي هو أن تنتصر الثورة دون الحاجة لذلك. تكمن قوة ثورة الشباب في سلميتها، وإصرارها على مواجهة عنف النظام لتأسيس مرحلة جديدة تكون القوة الحاسمة فيها للشعب وللساحات، وليس لثُكنات الجيش، وفوهات البنادق والدبابات. وفقاً لذلك؛ يكون انتصار ثورة الشباب خطوة أولى لتأسيس دولة مدنية حديثة بعيداً عن سيطرة العسكر، والعنف الذي اعتمدته أنظمة الحكم الديكتاتورية، ومراكز النفوذ فيها.

تكمن أهمية الثورة اليمنية القائمة، وبقية الثورات العربية، في كونها ستعيد الاعتبار للشعب، وللعمل السلمي المدني، عبر استبعاد العنف، الذي ظلت الأنظمة القمعية تستمد شرعيتها من احتكارها له. ويبدو أن الثورة اليمنية تخوض اليوم صراع مع مراكز النفوذ القديمة التي تُحاول أن تجعل من العنف هو الأداة الحاسمة لشرعية الوصول إلى السلطة، والحكم. ومن الواضح أنه ليس في مصلحة اليمن أن تُحقق الثورة نصرها النهائي عبر العنف، وبنادق مراكز القوى العسكرية، والقبلية القديمة، ذلك أن هذا الأمر، إن تم، سُيضاعف من قوة مراكز القوى هذه، وسيجعلها تتحكم بمصير اليمن لعقود قادمة. وبالنتيجة؛ سيجد اليمنيون أنفسهم أمام الوضع الذي خرجوا للثورة عليه، سيما وطابور طويل يُحاول تكريس أن اليمنيين خرجوا لتغيير علي عبدالله صالح وأسرته فقط، وليس لتغيير نظام الحكم؛ بأدواته الثقافية والأمنية، ومراكز النفوذ التي كانت شريكة فعلية في إدارته!

كذلك؛ يخلق انتصار الثورة عبر القوة، وإسقاط المعسكرات، مراكز قوى ونفوذ جديدة، تنشأ في تعز والمناطق الأخرى. سيجد أهالي تعز أنفسهم أمام قوة قبلية جديدة ستنقل الحالة المشيخية القائمة في صنعاء، ومناطق شمال الشمال. 

والواقع أن العنف يعيدنا، كيمنيين وعرب، إلى ثورات الستينات، التي قام بها العسكر بقوة المدافع والدبابات، التي لم تعد إلى ثكناتها، واستخدمها العسكر للسيطرة، طوال العقود الماضية، على الدول العربية مستندين إلى "شرعيتهم الثورية"، وتحت رايتها نكلوا بشعوبهم، وعاثوا في الأرض فساداً. أعتقد أن اليمنيين خرجوا إلى الساحات كي يستعيدوا حقهم في إدارة بلدهم، ويحرروها عبر إعادة الجيش إلى ثكناته. وهذا، بالضبط، هو الهدف الذي سيدفع اليمن نحو دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

لقد ثار الشباب العرب اليوم ضد العسكر، وأنظمتهم الديكتاتورية التي أقاموها على القمع والفساد. والمؤكد أن العرب لن ينتقلوا نحو الحرية، والديمقراطية، إلا عبر دفع الحياة العامة بعيداً عن العنف وسيطرة الجيوش والعسكر، وذلك لن يتم إلا عبر الانتقال بالبلدان العربية من "الشرعية الثورية"، التي اعتمدتها الأنظمة العربية العسكرية الحاكمة، إلى "الشرعية الدستورية" التي ستؤسس لدول مدنية حديثة تصبح فيها مهمة الجيش حماية الحدود، ومكانه الطبيعي في ثكناته على وليس داخل المدن. 

الأرجح أن اللواء علي محسن ينطلق في تقديره، القائم على خيار الحسم العسكري، من طريقة تفكيره؛ فهو رجل عسكري عاش تحت ظل القوة والنفوذ، ويعتقد أن إجبار علي عبدالله صالح على الرحيل لا يُمكن أن يتم إلا عبر القوة العسكرية. وانطلاقاً من ذلك؛ يتصرف الرجل باعتباره صاحب القرار النهائي والأخير الذي يُحدد مسار الثورة، وخياراتها! وقد تجلي ذلك في ما كشفه لـ CNN ، في يوليو المنصرم، حول رفضه "مقترحاً جديداً من شأنه أن يسمح للرئيس علي عبدالله صالح، البقاء في السلطة حتى الاتفاق على رئيس جديد". لم نكن نعرف شيئاً عن طبيعة هذا العرض الذي رفضه علي محسن. كذلك لم يكن شباب الساحات يعرفون شيئاً عنه. والكارثة أن بعض قادة أحزاب اللقاء المشترك لم يكونوا يعرفون شيئاً عن المقترح، وبعضهم لم يعرفوا إلا عندما أعلمهم قائد الفرقة قراره برفضه! لقد رفض علي محسن المقترح دون حتى أن يمنح شباب الثورة، وقادة الأحزاب، حقهم في الإطلاع على المقترح!

أثبت علي محسن أنه رجل قوي. لقد أسقط محافظة الجوف، ومنطقة نهم، وآلت المعدات العسكرية فيها إليه، غير أن حظه يبدو عاثراً في أبين، وأرحب، وتعز. وأتمنى أن يتوقف خيار القوة عند هذا الحد، ذلك أن هذا الأمر وضع الثورة في مأزق صعب، ومصيري، سيؤكد المخاوف التي حذرت، بشكل مبكر في تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، من تحول الثورة من "ثورة شعبية" إلى أزمة داخل نظام الحكم، والقبيلة الحاكمة.

هذه ثورة والمسار الطبيعي لها أن تكون الأزمة قائمة بين الشعب والنظام. فلماذا يتم اليوم اختزال الثورة كما لو أنها صراع بين علي محسن والنظام؟!

نُقدر لعلي محسن انضمامه للثورة، لكن ذلك لا يُخوله التعامل مع الثورة كمعسكر تابع للفرقة، أو الدفع بها نحو العنف. نُريد للثورة أن تنجح بقوة وسلمية شباب الساحات، وليس بمعسكرات علي محسن، والمليشيات القبلية المسلحة الدينية. نُريد للثورة أن تنجح وتُحدث تغييراً حقيقياً للنظام ككل، كأدوات وكمنظومة ثقافية واجتماعية، وليس استبدال علي عبدالله صالح بعلي محسن. وهذا الأمر يضعنا أمام طرفة جديدة؛ إذ قيل أن توكل كرمان زارت، وبعض رفاقها، علي محسن إلى مقره في الفرقة الأولى مدرع، وفور وصولها إليه صافحته، وحيته بالقول: "أهلاً برئيس اليمن القادم". لن أتساءل عن الصفة التي خولت توكل بتوزيع المناصب، وسأكتفي فقط بالتساؤل عما إذا كانت هذه هي الثورة التي خرج لها اليمنيين، وقُتل في سبيلها العشرات؟!

حتى "جمعة الكرامة" كانت زمام مبادرة الفعل في يد الشباب في ساحات الثورة. كان الجميع يترقب، كل جمعة، لمعرفة ما سيفعله شباب الثورة، بيد أن الأمر تحول فيما بعد. لقد أضفى انضمام أحزاب اللقاء المشترك قوة للثورة، رغم التجاوزات والانتهاكات التي تمت، غير أن انضمام علي محسن إلى الثورة جرد شباب الثورة، وساحاتهم، من قوتهم العفوية الصادقة. صحيح إن انضمام قائد الفرقة أوقف اعتداءات "بلاطجة النظام"، لكنه حول "ساحة التغيير" في صنعاء، إلى ساحة مُستلبة بعد أن جردها من الفعل والمبادرة الثورية الغاضبة. تالياً؛ جرى التحول العام؛ إذ أصبح الجميع ينتظرون ما سيفعله علي محسن، وليس ما سيفعله شباب الساحات. ومنذ محاولة قتل الرئيس صالح، وكبار رجال نظامه، في عملية تفجير مسجد الرئاسة، تحولت المبادرة إلى الرئيس صالح، فلأكثر من شهر ظل الجميع ينتظرون، ومازالوا، ما سيفعله وسيقرره الرئيس. وتكريساً لذلك؛ أصبحت عملية المبادرة محتكرة اليوم في يدي قائد الفرقة وقائد الحرس الجمهوري! فهل هذه هي الثورة، وهل هذا هو مسارها الطبيعي؟

* عن صحيفة «الأولى» اليمنية.