البيضة والحكمة وقوانين بني إسرائيل
بقلم/ صادق المولد
نشر منذ: 13 سنة و 6 أشهر و 8 أيام
الأحد 28 يناير-كانون الثاني 2007 07:39 ص

مأرب برس – نيويورك – خاص

يقولون أن الصحف هي المدونات اليومية للأمم ، وأنها تاريخ تسطره يوماً بيوم. وفي العقد الأول من ه ذه الألفية، أتسعت دائرة المدونات فشملت المواقع الإلكترونية فزادت التاريخ حيوية. فإذا كانت الصحف ومواقع الأخبار اليمنية هي ذاكرة الأمة اليمنية ، فماذا تقول هذه المدونات عنا؟ وماهي الرسائل التي تبعثة بها أخبارها عن واقعنا؟ وأكثر من ذلك.. ماذا ستقول أجيالنا القادمة وهي تقرأوها؟

هناك الكثير بالطبع ، لكني سأقف عند ثلاث رسائل في ثلاثة أخبار، وهي رسائل وجدتها فجة جداً..معيبة جداً و...مخجلة جداً!

* * *

الرسالة الأولى: حكمة يمانية مجتزئة وإنتقائية

عندما وقف النائب الكويتي مسلم البراك ، وهو الرجل كثير الشغب ، وأستطاع أن يفتح فمه واسعاً جداً فكال الإهانات والشتائم للدولة وقيادتها ماساً بذلك رجلها الأول مساً صريحاً، وعندما تجاوزت "الوطن" الكويتية حدود اللياقة والأدب - في أبسط معاييرهما- وهي تتحدث عن اليمن واليمنيين، نقول..عندما حدث كل ذلك كنا نتوقع أن يصدر عن رئيس وحكومة هذه الأمة المهيضة موقفاً حازماً. بالطبع أنا لا أقول بالإنجرار إلى المهاترات الطفولية و الهمز واللمز، لكن ..فقط..موقفاً رجولياً متزناً وصارماً ، يطالب به السيد البراك ومحرري الوطن بتقديم إعتذار يحفظ لليمنيين القليل مما تبقى من ماء وجوههم ، ذلك أن المسألة لم تكن تمسح شخص الرئيس والدولة ولكنها كانت مرتبطة ومتعلقة جداً بالأمة اليمنية وكرامتها. بدلا عن ذلك كان الموقف الرسمي ضعيف.. باهت.. بارد .. ومخزي جداً، فتحدثوا في بيانهم الرسمي عن الحكمة والأخوة وعن أهمية " تجاوز الماضي" و "رأب الصدع" ، ثم أشتكوا خلف الأبواب الموصدة ، وطالبوا "وسطاء الخير بالتدخل"!

 وأجد كل ذلك ضعف ودونية وإدعاء كاذب للحكمة. فلماذا لا تظهر تلك الحكمة إلا عند مواجهة المتعالين من ذوي النظرة الفوقية الذين لا يجدون حرجاً في المن علينا بالقشة والهشة. وإذا كانت تلك الحكمة أصل أصيل في أخلاقهم ، فلماذا لا نجد لها واقعاً عند التعامل مع أفراد الشعب وأعضاء المعارضة. فهل من الحكمة اليمانية أن تكال الشتائم القاذعة وبدون حساب للناس لا لشئ إلا لأن لهم رؤى تخالف رؤانا؟ إما أن المسألة إدعاءات وحسب ، أم أن الحكمة اليمانية هذه مجتزئة أصلاً وإنتقائية في كليتها؟

نعود بعد ذلك لنقول: صحيح أن الكويت كانت لها – للأسف – أيادٍ بيضاء على اليمن ..لايمكن أن ننكر هذا أبداً، وصحيح أنها تألمت كثيراً بسبب موقف اليمن الرسمي – الـمُساء فهمه كما يقول سياسواليمن - من غزو الكويت ، وأفهم ما قد يجده الأخوة في الكويت علينا في صدورهم ، وأتفهم مقدار المرارة التي يجدونها، لكن – مع ذلك - ألا يتفق معي العقلاء من أهل الكويت أنه مر من الوقت ما يكفي لنسيان خطايا فرعون ناهيك عن نسيان ماحدث؟ وألا يتفق معي أولئك العقلاء أن إصرار الكويت الرسمية على تذكير اليمنيين في كل محفل بما قدمته قد أفسد ذلك الخير وأنه أذىً أذهب تلك الصدقات؟

ثم ..سؤال للرئيس ببطانته وحكوماته: ألا يكفيكم ذلك درساً بأن تصلحوا حكمكم و تقفلوا باب الإستجداء وهذا المزاد العلني الفاضح لكرامة اليمن؟

* * *

الرسالة الثانية: دولة تهزها بيضة

لم أكن أتصور أن هناك دولة على وجه هذه البسيطة تهزها بيضة! ..لكنها كانت!

 الرئيس وعد الكثير في الإنتخابات، و ستة أشهر بعد الإنتخابات ..ولاشئ سوى الحديث والمزيد من الحديث عن تلك الوعود ، أما كيف ستنفذ ومتى..فربك العليم!

لكن ..هل حقاً أخطأ قحطان عندما طالب الرئيس أن يثبت أنه رئيس نموذجي من خلال القيام بأتفه شئ: إنزال سعر البيضة إلى ما كان عليه قبل الإنتخابات؟

 أنا أقول أن قحطان لم يخطئ ، هو فقط كشف عورة النظام وأثار حفيظته ، ولأنه تحدث عن قضية تمس الشعب – وهي الأصبع المكسور في حكم المؤتمر - فقد وجد رجالات النظام أن هذا تعريض بهم على رؤس الأشهاد ومما لا يغتفر ، فنسوا ما يدعونه من حكمة- كقضية الكويت – و كالوا للرجل الإهانات والشتائم العلنية ، ثم عجزوا عن تنفيذ ما تحداهم به ، وهذا هو المهم!

وستكتب مدونات التاريخ أن الجمهورية اليمنية- بقوانينها ورجالات حكمها- عجزت عن تخفيض سعر البيضة!

* * *

الرسالة الثالثة: قوانين بني إسرائيل

كنت ولا زلت أعتقد أن حميد الأحمر – بغض النظر عن التلميع الذي يروج له البعض – هو وجه آخر من الوجوه الكثيرة المتعددة والمختلفة للنظام القائم في اليمن. وكنت قد كتبت أثناء الانتخابات
أن حميد لا يصلح بديلا سياسياً لإن له علاقات ومصالح قوية مع أقطاب النظام ( بغض النظر عن فترات الركود) ، وهو بعد ذلك رجل ذو إستقطاب قبلي حاد، ورأسمالي كبير ذو علاقات متشعبة وواسعة ( وهي نقطة ضعف على عكس ما يتصور الكثيرون) ، وقلت يومها أن تواجد حميد و والده وأخوانه في البرلمان اليمني هو وصمة عار حقيقة لهذه الديمقراطية المدعاة. وفي أثناء الأنتخابات تغنى الكثير بمواقف الرجل – وهي كالعادة إثبات جديد لضعف الذاكرة التاريخية لهذه الأمة- ولعلهم وجدوا فيه المخلص المنتظر ، ومثلت لهجته الحادة أفقاً حالماً وتعبيراً جياشاً عن خلجات النفوس. لكنها تظل في نهاية المطاف سياسة وفقط. وفي السياسة الدافع هو الأهم وليس الموقف. فلماذا وقف حميد الأحمر ضد على عبدالله صالح "الأحمر" كما قال والده وهو يزكي الرئيس في الإنتخابات في تلميح لا يفوت الحليم القصد منه. ثم كيف أستطاع حميد الأحمر التخلص من ورطة تهديد العسكري "الشاطر" ، ومن ثم التهديدات العليا بسحب حصانتة البرلمانية. ثم لو كان شخص آخر غير حميد، أكان فلت بفعلته تلك ( وحتى لو كان برلمانيا)؟

شخصياً..لا أعتقد!

المسألة -كما بات الكثير يعرف - هي صراع أجنحة داخل النظام نفسه ، وهو صراع يمثل الشعب فيه صفراً كبيراً جداً على شمال كل الأرقام ، وخارج المعادلة تماماً. ولعل إيقاف حسين الأحمر في مطار القاهرة بوعز من سلطات عليا، وأمتعاض الرئيس من القذافي لإحتفائه به ، ومن ثم العزوف عن المشاركة في القمة العربية المصغرة ، هما دليلان آخران على مستوى هذا الصراع و حدته.

بقي أن أقول أن الرسالة الثالثة أمامي هي في خبر قرأته عن محاولة الأمن القومي إيقاف النائب حميد الأحمر في مطار صنعاء ورفض حميد تفتيش حقيبة اليد متعللاً بحصانته البرلمانية. إلا أن إصرار ضابط الأمن القومي على ذلك ،دعا حميد في نهاية المطاف إلى التهديد بمرافقيه في الخارج وحذر من الإحتكاكات ، وهنا أسئلة:

ما كينونة هذه الدولة التي لا يرعوي أقطابها عن الزج بالجهات الأمنية في صراعاتهم الشخصية؟

أين إحترام رجل البرلمان للقانون - ولو جائراً- ومحاولة التعامل مع الموقف بروح حضارية ؟

الرسالة التي أمامي تقول أيضاً أن المدونات التاريخية ستكتب أن النائب الطموح حميد الأحمر – مثله في ذلك مثل الكثير من أبناء الأمة اليمنية - يعرف تماما أن هذه دولة لا تتجاوز قوانيها صفحات الكتب ، وأنها دولة تسير – في أفضل أحوالها - بقوانين بني إسرائيل.

• مدير مركز الراصد الإعلامي - نيويورك