من فوارق التاريخ: إعدام صدام وأشياء أخرى •
بقلم/ صادق المولد
نشر منذ: 13 سنة و 7 أشهر و يومين
الأربعاء 03 يناير-كانون الثاني 2007 08:18 م

  مأرب برس – نيويورك – خاص

 إذاً هكذا إنتهى صدام ، و مجد صدام وعراق صدام؟!

 أضحية عيدٍ بائسة كئيبة؟!

مسكين ذلك الجنرال العنيد ، لو كان فقط يعرف أنهم يسمنّونه قرباناً لمشروعهم الكبير ، إذاً لربما كان أفرغ في رأسه الرصاصة الذهبية التي قال أنه كان يحتفظ بها لنفسه.

لكنه لم يفعله ..فشنقوه!

ثم تناسوا هيبة الموت..وحرمة الموت.. فرقصوا حول جثته كما يفعل البرابرة البدائيون!

لكن أليس ذاك هو ثمن الرعب الطويل ، والكبت الطويل؟

كانت لحظة إنفجار – وضيعة ربما وغير إنسانية – لكنها مثلت بصورة من الصور حصاد ما كان يزرعه الرجل في ثلاثين عاماً. ويا بئس ما زرع!

* * *

لن أنكر أني لا أزال أعيش طور صدمة إعدام صدام حسين – نسأل الله أن يتجاوز عنه وعن جميع المسلمين ، ولايمكن إلا أن أعيش هذا الطور ، فقد فتحت عينيّ – أنا وجيل بأكمله - على الدنيا والرجل رئيس– ملك ، ملء الدنيا وبصرها ، سمعنا أسمه في أخبار التاسعة في كل ليلة ، وأخرجونا من مدارسنا نستقبله بصوره وأعلام العراق على جوانب الطريق ، فكان الرجل شئنا أم أبينا جزء من المكون التاريخي والفكري لنا ولأجيال بأكملها.

ثم ما كان أقسى صدام ، وما أصعبه حياً وميتاً!

اليتيم الذي خرج إلى الدنيا يصارع العوز والفقر ، ظل يصارع طوال حياته حتى خنقت المشنقة صوته ، فذهب معه بعض من قسوته وبعض من صعوبته وترك منهما خلفه الكثير ، و سيقتات عليهما العراق وأبناء العراق حيناً من الدهر غير قصير.

* * *

هل كان صدام مجرماً؟

طبعاً كان مجرماً!

 فالرجل الذي صنع لنفسه سلماً من الجماجم والموت ليصل به - في سن الثانية والثلاثين - إلى قمة هرم السلطة كان دون شك مجرماً ، والرجل الذي أسس بنيان نظامه و سلطانه على الرعب و أنهار من الدم والدموع كان بلا شك مجرماً ، والرجل الذي قتل وشرد وأنتهك وعذب بالجملة وبوحشية مفرطة كان بلا شك مجرماً. هذه إذاً حقيقة لا يخفيها حباً له أو إعجاب به ، ولا ينكرها إلا مكابر. لكن تبقى حقيقة أن هذا هو السؤال الخطأ!

 فالسؤال لايكون عن إجرامية صدام من عدمها – فهي أمر مفروغ منه ، ولكن السؤال الحقيقي هو عن سببية هذا الإجرام - فإذاً: لماذا كان – أو بالأصح أصبح – صدام مجرماً؟

إبتداءً لابد من القول أن الشر (أو الإجرام ) ليس نزعه فطرية في الإنسان ، فليس هناك من يولد مجرماً بالفطرة ، لكنها سلوك إجتماعي واعي ينمو.

والحقيقة أنني- في بحثي عن إجابة عن هذا التساؤل الصعب – تابعت الكثير من الوثائقيات عن الرجل والأحداث الكبرى التي عاشها ، و تحدثت إلى كثير من العراقيين من رجال السياسية والإعلاميين ممن قاربوا وأجتمعوا بشخص صدام ، فخرجت بمجموعة قناعات أعرف يقيناً أنها لن تعجب المصابين بعمى الألوان ، ممن لايرون في الدنيا إلا الأسود والأبيض ، وأعرف أنها لن تلقى إرتياحاً من المصابين بداء العصاب الذي يعمي البصر والبصيرة. وهؤلاء وأولئك هم أحرار فيما يريدون ويعتقدون ، إلا أنني –كإعلامي - أبحث عن الحقيقة المجردة بموضوعية تفرض علي أن أكون في المنتصف تماماً ودائماً. وهي قناعات غير مستقطبة لاتجعلني من محبي صدام ولا من أعدائه: حيزاً صغيراً - وهامشا نحيلا - من الإنصاف بين (مع وضد) الرجل.

 فلماذا صار صدام مجرماً؟

الإجابة ببساطة: لأن صدام كان يؤمن بقضية! ...هكذا وفقط.

 قضية صدام التي ملكت عليه وجدانه هي قضية القومية العربية التي رضعها في مراحل تكوينه الفكري والنفسي. وهي القضية التي إعتقد الرجل بعدالتها – وبغض النظر عن حقيقة تلك العدالة من عدمها – حتى آخر أنفاسه. لقد فعل صدام ما فعل وهو يعتقد أنه يقدم خدمات جليلة لقضية عادلة نبيلة. هذا هو التفسير الوحيد الممكن لأفعال صدام حسين وثباته وإستبساله وتضحياته بكل شئ. وللذين يقولون بأنه لولا تعنته وغروره لكان تنحى جانباً و جنب شعبه كل هذه الويلات ، نقول ربما كان فعل لولا أنه كان يعتقد جازماً أنه يلتزم موقفا أخلاقيا مبدئيا لا يجوز فيه التنازل عن قيمه مطلقة.

الذين عرفوا الرجل عن قرب ، وصفوه باللطف و دماثة الخلق ، وبأنه كان – على المستوى الشخصي – ودوداً ولطيفاً جداً. ولاغرابة في الأمر ، فالرجل لم يكن سليلاً أرستقراطياً أو نرجسياً في برج عاجي ، بل كان رجلاً جماهيراً تطغى عليه سمتا الهدوء والإتزان اللتان زادتا شخصيته ذات الجاذبية الطاغية - حتى وحبل المشنقة يلف حول عنقه - قوة و تأثيراً.

سألت عنه أحد رجال الإعلام العراقيين الكبار ، فقال لي أنه جاء في زيارة مباغتة إلى مبنى التلفزيون ، وأنه جلس معهم على أريكة متهرئة وضاحكهم ، ثم سألهم عن سبب شحوبهم! فأخبروه أنه بسبب قلة ساعات النوم نظراً لطول ساعات العمل وطول المسافة بين منازلهم ومبنى التلفزيون ، فما كان منه إلا أن أعطى أوامره بتوفير مساكن قريبة لهم. الشيخ الكبيسي أيضاً يؤكد أن صدام دعاه إلى قصره وطلب منه النصيحة ، وأنه – الشيخ الكبيسي – أبكى صدام مرتين يومها !!

 فإذاً نحن لا نتحدث عن دموي منزوع الإنسانية كما يريد لنا العصابيون فهمه ، وبالتالي.. فعندما تحاول التوفيق والجمع بين الشخص وفعله ، لايكادان يجتمعان أو يتوافقان إلا تحت عنوان الإيمان بقضية ما.

صدام – وأنا أ تفق في ذلك مع الزميل نيبل الصوفي– لم يكن عرقياً ، فحكومته مثلت أعراق العراق كاملة ، وصدام لم يكن دينياً فرجاله كانوا من مختلف النحل ، وصدام أخيراً لم يكن مذهبياً أو طائفياً – كما يريد لنا أخواننا الشيعة أن نفهم. صدام كان عراقياً قومياً فحسب. تلك كانت عقيدته التي أظهر شريط إعدامه أنه ظل مؤمناً بها ، ثابتاً عليها حتى آخر لحظات عمره ، وكان ذلك هو أيضاً إعتقاده حتى النخاع ، ولذا لم يتردد في ذبح من خالفه فيهما ، أكانوا إسلاميين سنة أو أكراد أو شيعة أو حتى شيوعيين ، سواء بسواء . وأي قول سوى ذلك هو ذر للرماد في الأعين وحسب. فالطائفية في العراق هي أقدم من صدام ، وقد ذهب صدام وبقت بعده، ولولا الحرب العراقية الإيرانية لما كانت طفت على السطح في عهد صدام أساساً.

نحن هنا لا ندافع عن صدام أو نظام صدام ، كما أننا لا ندينهما ، نحن فقط نعرض الحقيقة المجردة التي ضاعت بين أطراف ذات إستقطابات كبرى شديدة ، تخوض صراع دموي محموم. ولذا نزيد على ذلك فنقول أن صدام لم يكن هو كل النظام ، ومن الجور أن تلصق به كل أخطاء النظام ، إلا أنه – مع ذلك – كان هو قائده المطلق و رأس حربته ، وهو ما يقتضي أن تكون لتلك القيادة المطلقة مسؤلية مطلقة أيضاً تقتضي ضريبتها أن يحمل وزر النظام ككل. نقول ذلك ونحن نستحضر شجاعة الرجل الأسطورية في لحظات الحق وهو يقف وجهاً لوجه مع الموت. تلك لحظات لايمكن للمرء إلا أن ينصفه فيها – بغض النظر عن مدى إتفاقه أو أختلافه معه .

صدام لم يكن يمثل الشجاعة..لكنه كان يلبسها ، ولم يكن يتقول الصدق، لكنه كان يقوله معتقداً. سخر من أهازيجهم حوله وهو يقف موثق اليدين والقدمين ، هتف بهم :"هاي هي المرجلة(الرجولة)؟!" ،

 ..لم يحن رأسه – كما كذب الربيعي في أول تصريحاته ، ولم يجد بعد ذلك إلا إبتلاعها على مضض – ولم يستطعف أحداً ،

 شتموه فشتمهم ، ولعنوه ولعنهم .. وهو رجل وحده.

صرخوا به: " إلى جهنم " ، فعيرهم بحقدهم عليه ، و هتف بهم: " هاي هي المشنقة؟!..مشنقة العار" ..

كان يعرف أنهم يسدون إليه معروفاً ، وأنهم يقدمون له ماء يغسل به الكثير من سواد صفحته ..

وكان يعرف أن رباطة جأشه عند الموت ستضيف الكثير لرصيده ..

وكان يعرف أن عمره سيكون أطول من اعمار شانقيه ،

 فتصالب وتقدم نحو فتحتي هوة الإعدام هاتفاً "يا الله" - يسأل التثبت - وثبت ..

وسجلها له التاريخ شرفاً.

هم...لم يعقلوا قوله ..

 إستفزتهم نشوة الإنتقام ، فأرخوا الباب، وتدلى جسمه ، وظل رأسه مرفوعاً وبصره في السماء.

* * *

بقي أن نقول أن صداماً لم يكن زعيماً ذو رؤية سياسية نهضوية متميزة. لكنه كان ثورياً حالماً ، ورجل دولة قوي أجاد لعبة كسر العظام والسيطرة. تفكيره الثوري أرادها طوباوية كاملة ، فحاول فرض المستحيل الذي لايكون ..وفشل، وكان لابد أن يفشل. أدخل العراق ثلاثة حروب رئيسية وصراعات لا تنتهي، حطم الدولة من حيث أراد بنائها، عندما كبت الحراك السياسي فيها خوفاً عليها. أرادها مستقرة ..ثابته ، ونسى في غمره حلمه الثوري ، أن الثبات والإستقرار هما سمتان من سمات الموت وليس الحياة ، فأخطى حيث أراد أن يصيب.

ذلك لم يكن قصوراً في تفكير صدام الإنسان ، ولكنه كان قصوراً في تفكير صدام الثوري ، وهو نفس القصور الذي تقوم عليه هيكلية الأنظمة العربية الحالية و رؤاها. وهو في الحصيلة النهائية قصور خادع ومدمر في ذات الوقت ، ذلك أنه يعطى إنطباعاً بالنمو وبالأمن بينما هو في الحقيقة فاعليه ضغط قويه ، تؤخر الإنفجار ولا تلغيه.

طوباوية صدام ونظام صدام – مثلها في ذلك مثل طوباوية الأنظمة العسكرية العربية الحاكمة حالياً – هي طوباوية غير واقعيه تقوم على الإرهاب والرعب والإغتيال والهتك لإنسانية الإنسان ولقيمه العليا من حرية ومساواة وعدل.

هذه هي الطوباوية التي لم تستطع خلال ما يزيد عن نصف قرن على الأرض العربية أن تحقق لأمتنا شئياً سوى المزيد من البؤس والفقر والحرمان.

لكننا مع ذلك ننصف الرجل فنقول أنه إستطاع أن يقدم للعراق ، في ظل ظروف صعبة و معجزة ، ما فشل كثير غيره من الحكام في تقديمه لبلدانهم ، فقد تمتع العراق في فترة حكم صدام بأمن نسبي ، مثل الإستثناء وليس القاعدة في ذلك البلد ، كما أنه كاد أن يستأصل الأمية ، وأستطاع أن يبني نظاماً تعليماً وصحياً مثل النموذج الأفضل على إمتداد المنطقة.

لكن ما فشل صدام ونظام صدام - والأنظمة العربية من ورائهما - في فهمه هو أن ثقافة الرعب و القهر والتسلط لا تشيد أمجاداً ولا تبني دولاً.

* * *

وللطفي شطارة كلمة

زميلنا الكاتب الصحفي المتألق لطفي شطارة رجل نحب ما يكتب ، لأنه يكتب – حين يكتب – بحس وطني راق وصادق ، لذا فكثيراً ما أكبر أرائه و رؤاه. إلا أنه في مقاله الأخير عن صدام حسين جانب الصواب كثيراً. طبعاً أنا أفهم أ ن لطفي لم يكن يريد أن يتحدث عن نظام صدام بعينه ، ولكنه كان يعّرض بأنظمة عربية تقارب ذلك النظام ، وتتبنى أفكاراً و وسائل مقاربة لأفكاره و وسائله. لكن أجد أن حبنا لقلم لطفي يستوجب علينا أن نذكره الإلتزام بالموضوعيه والإتزان عند إستصدار أحكام في مواضع الزلل على أرضية رخوة جداً كأرضية السياسية العربية وأنظمتها.

 

* * *

وللرئيس علي صالح كلمات وأسئلة..

يا فخامة الرئيس .. ندرك أن هذا وقت عصيب دون شك، يلزم الجميع بإعادة النظر في كثير من الأوراق السياسية..

 لا يزال الكثير يتذكر عملية إنزال صورك من الميادين والمباني العامة بعد أن أظهرت شاشات التلفاز ما حدث لمجسمات وصور صدام حسين ، وقد أعتبرها الكثير بادرة ذكية جداً منكم ، وإدراكاً حقيقياً منكم لطبيعة المرحلة ومعطياتها. والحقيقة يا فخامة الرئيس أن العراق بكل مآسية – وللأسف – هو درس للجميع: حكاماً ومحكومين ، سلطة ومعارضة.

نحن بالطبع لا نتمنى لكم ولاسرتكم ، وللبلد الغالي ورجالاته إلا كل الخير ، إلا أن الأماني وحدها لا تكفي. هناك الكثير من العمل لتصحيح أخطاء كبيرة ، وهناك إلتزامات ضخمة لتعديل مسارات أنحرفت بالأمة اليمنية عن نهج الحكمة والإيمان. ولهذا فكلماتنا لكم هي كلمات هم مشترك. فاليمن كما تعلمون يقيناً ليس بأفضل حالاً من العراق قبل هذه المأساة المعدمة. ففي العراق طوائف وفي اليمن طوائف ، وفي العراق قبلية وفي اليمن قبلية أكثر تزمتاً ، وفي العراق ثارات ونعرات وفي اليمن مثلها. نظام العراق السابق أسكت كل تلك الأمراض فقط ولم يخنقها ، تقيحت تلك الأمراض في الظلام و تضخمت في صمت.

في اليمن لم نستطع حتى أن نسكتها.

في العراق – وبمجرد أن هوى النظام - أنفجرت تلك الأمراض المتقيحة موتاً ودماراً.

 في اليمن الحال يبدو أسوء ، والنذر كثيرة.

يا فخامة الرئيس ..

أنت لا تحتاج من يصفق لك ، فالمصفقون كثر ، ولاتحتاج جوقة أفاقين فهم كثر أيضاً ، أنت تحتاج إلى عين وأذن مخلصتين صادقتين في نقلهما الحقيقة على ما فيها من مرارة.

كان الجميع يعلم أنك الممكن الوحيد في الإنتخابات الرئاسية الماضية ، وقد فزت – بإعتراف منافسيك وعلى الرغم من الخروقات – وصرت تملك (ولأول مرة ) شرعية سياسية حقيقة ، ثم ها أنت اليوم تحملها واقفاً على مفترق طريق صعب. فماذا أنت فاعل؟

 

أنت تمثل جيل من الزعماء العرب لم يبقى منهم سواك والرئيسين مبارك والقذافي (فإن صدق المنجم الشارني وتوفي مبارك والقذافي في هذا العام – وكذب المنجمون ولو صدقوا ) فستكون أنت آخر ذلك الجيل. إلا أنكم تواجهون تحدياً أكبر من تحديهم ، فالمعطيات اليوم هي تماماً غير المعطيات التي تكونت أفكاركم ومعتقداتكم عليها ، والتحديات أصعب من مفاهيم ضيقة كانت رائجة في فترة من الفترات.

اليمن يا فخامة الرئيس لا يزال يعيش – وبعد ثلاثة وخمسين عاماً من الثورة وما يقارب الثلاثين عاماً من حكمكم – تحت ثلاثية الفقر والجهل والمرض ، فلماذا؟

نحن نأمل أن تستطيع في خلال السنوات السبع القادمة – أمدك الله بالقوة – إصلاح ما أفسدته سياسة التوازانات التي عملت عليها فيما مضى ، ولم تجلب للبلد وثعابينه الجائعة –كما تصف مواطنيك - إلا المزيد من الضياع والفساد.

تكاثرت حولنا الغيلان المتوحشة ( من شيوخ مناطق و مسؤلين مدنين وعسكريين متنفذين ) ...

 لم يرحموا الأرض... ولم يرحموا من عليها!

اليوم يا سيادة الرئيس يقف اليمن في فوهة مدفع ، تحت ضغط إملاءات داخلية وخارجية ، والحل الوحيد هو مواجهة الفساد وبناء دولة حقيقة على أنقاض هذه الدولة التي تكاد تهوي على رؤس الجميع.

إن هناك الكثير من الأسئلة ، التي لابد أن نسألك عنها بشفافيه مطلقة ، ونريد منك إجابات حقيقة على أرض الواقع عملاً لا قولاً فقد تشبعنا تماماً في الخمسين العاماً الماضية بما يكفي من الأقوال والوعود.

نسألك يا فخامة الرئيس.. وأنت من يسأل:

لماذا بلدنا فقير معدم وأهلنا مشردون في كل أصقاع العالم يبحثون عن لقمة العيش؟

لماذا بلغت دول الجوار من النهضة والتطور – التي بدأت عملها بعد ثورتنا بعقود – ما بلغت وبقينا نحن قاعاً صفصفا؟

أين نفطنا منذ ثلاثة وعشرون عاماً؟ أين ثروات بلادنا؟ أين خيرات أرضنا؟

ألست أنت قائد مسيرتنا ، فأين ضاعت مسيرتنا وأين تاهت خطانا حتى صرنا نستجدي العالم شرقاً وغرباً ونفاخر بتلقي صدقات يتبعها المن والأذى؟

أنت يا فخامة الرئيس – وهذه هي ضريبة قيادة المسيرة – من تتحمل مسؤلية ما وصلنا إليه، فالقيادة سلطة ومسؤلية ، ولايعفيك من هذه الأسئلة أنك سمّاعٌ لأصحاب القصور والسيارات الفارهة الذين نسوا معنى الجوع والحاجة.

لقد فتحنا أعيننا وأنت رئيس لهذا البلد ، وهاقد أنتصفت أعمارنا وأبيضت رؤسنا وأنت لازلت رئيسه ، فقل لنا يا فخامة الرئيس ، لماذا لا يزال حال أبناء اليمن كما تعرف؟

 ولماذا صارت ماجدات اليمن وسائل للإستمتاع السياحي ، بينما نحن نملئ الدنيا صياحاً عن رجولاتنا المفرطة وقيمنا التاريخية؟!

يا فخامة الرئيس..

 نحن لا ننكر أن هناك منجزات تحققت ، لا ننكر أن هناك مستشفيات ومستوصفات ومدارس و.. و.. ( مما يبكتنا به المسؤلون ليلاً ونهاراً وكأنها منهم أفعال أحسان وأياد بيضاء لا واجبات عمل )

نحن لا ننكر هذا ، بل نحن أسرع من يقول بوجودها ، لكننا نقول أن وتيرتها ونوعيتها لا تتناسب وكل هذه السنوات الطوال، فلماذا؟

لماذا صارت بلدنا مضرب الأمثال في التخلف والأمية والفقر ، ولماذا فقدنا فخارنا وعزتنا – شعباً وأرضاً – وصرنا كالأوبئة بين أخوتنا من العرب الذين يتأففون منا ، وينظرون إلينا شزراً؟

لماذا - يا فخامة الرئيس - صارت يمنيتنا.. وصمة عار و سمة إحتقار ؟

من يحمل هذا الوزر سوى القيادة والحكومات "الرشيدة"؟

يا فخامة الرئيس ،

 نريد منك أن تقف وقفة صدق مع نفسك ومعنا ، وقفة مراجعة شفافة مع النفس ، تقول لنا فيها أين الخطأ وكيف سيصحح الخطأ ؟

يا فخامة الرئيس ، ما كان شديد المحلية كان بالتالي شديد العالمية ، هذه قاعدة متعارف عليها ، فنريد منك أن تبنى مجدك الحقيقي ببناء بلدك وتنمية أرضه ورخاء أنسانه. وأن تتجنب بناء مجد زائف في حدود الذات ، وانظر الفرق – وأنت رجل حصيف - بين مجد زايد الأمارات وبين مجد صدام العراق ، الأول بنى مجده ببناء بلده فخلدوه بحق ، والآخر بنى مجده في حدود الذات .. فأين صوره وتماثيله ، وأين صار اليوم؟

نريد منك أن تسمع لمرة واحدة للناصحين الصادقين من أبناء شعبك المهيض ، وأنت الرجل البسيط ، أبن الأرض الطيبة. نريدك أن تتوقف عن فتح أذنيك لبطانة لا تزيد على رصها الأكاذيب، وأنت تعرفهم أكثر من أنفسهم.

 

قل لنا يا سيادة الرئيس ، بعد نصف قرن من الزمان، بماذا يمكن أن يفاخر اليمن الجمهوري ؟

بالطرق؟ نصف البلد (بما فيه العاصمة ) لاتزال طرقه ترابية ، والمعبدة منها تحتاج إلى صيانة بعد أن تآكلت.

بالكهرباء؟ ..لاتعليق فأنت تعرف.

بالماء؟ .. نحن مهددون بالجفاف خلال السنوات القليلة القادمة..

بالمدارس والتعليم المجاني؟ .. حتى هذه صارت لطخة عار في وجوهنا!

بالمستشفيات؟ مسؤلينا حجاج لمستشفيات الخارج ، ومسشفيات الداخل لمن يدفع أكثر ، وفسادها حدث ولا حرج!

بالإنسان اليمني؟

بماذا؟

 بطاقته؟ سل الشباب البائس اليائس الذي أكل القات طاقاتهم واكلت العطالة أمالهم.

عن كرامته و أمنه وأنسانيته؟ سل قتلة الحامدي الذي ذهب فيما لا يساوي قيمة أرنب، وسل عن قاذفي أعراض حرائر اليمن رحمة حجيرة والأغبري و سواهما كثر. وسل عمن غيب سعيد الإبي وعن حمدان الدرسي وما فعله به الفاشق الفاسق..

سلهم يأتوك بالخبر اليقين عن الإنسان اليمني.

بالأرض؟

أي أرض؟ العطشى أم البور ؟ أم تلك التي إلتهمتها مساحات القات؟

بالإستثمار؟ سل الفارين من المستثمرين ورجال الأعمال.

بعدالة القضاء؟ سل المظلومين على أبواب المحاكم عن قضاياهم ، وكيف يبيعها من لا يعرفون لعمائم القضاء إجلالاً.

بدولة القانون؟ فماذا عن قوانين المشايخ و سجونهم؟

بماذا يمكن أن يفاخر اليمن الجمهوري إذاً؟

نريد منك يا فخامة الرئيس ..

أن توقف عجلة هذا التدهور المعيب والمريع في كرامة اليمن شعباً وأرضاً..

أن تعطى..شلة "المخلصين" (لمنافعهم فقط) أجازة مفتوحة ، أن تخبرهم أن (التاكس تعطل نهائياً) ، وأن لا مكان لهم في اليمن الجديد ، وأسألهم : لماذا أوصلونا هذا الوادي البور؟

نريد منك حكومة رجالها خلصاء للخير ممن يعلمون أن المسؤلية أمانه ، وأنها أمام الله خزي وندامة.

نريد منك وقفة قوية ( والجميع معك ، لأن الجميع مرهق متعب )

وقفة حازمة..تصلح بها حال البلاد والعباد ،

 وتقيم ميزان قسط ، تعيد بهما الأمل بغد أفضل لهذا الشعب المهيض.

يا فخامة الرئيس..

 البلد هش..هش ،

 بلا مؤسسات حقيقة ..

بلا بنيان حقيقي لنماء الإرض والإنسان ،

ونحن نخرج من نقرة لنسقط في حفرة ..

 الجميع يعرف ذلك ، وأنت تعرف ( وهي بدون شك مصيبة ) ، فإن كنت لا تعرف فالمصيبة أعظم.

البلد في خطر.. وآيل للسقوط المريع.

 التقارير الدولية تحذر ،

 والخبراء يحذرون ،

 والمواطنون يشعرون بذلك ويعشونه يوماً بعد يوم ،

 فقط الوزراء ورئيسهم يؤكدون العكس،

 فمن يصدقهم فيما هم لا يصدقون أنفسهم؟

 وسلهم يخبروك..

 فإلى متى ندس رؤسنا في التراب وكأن كل شئ على ما يرام؟

نريد ديمقراطية حقيقية ، تكون مخرجاً لنا من هذا النفق المظلم.

ديمقراطية تكفل للفرد كرامته وحريته في قول ما يشاء دونما تجريح لمؤسسات أو أشخاص.

فحتى ديمقراطيتنا..تشبه تصنيفة القات ، بمجرد أن تحتدم معاركها ، لا تبقى أطرافها لبعضها البعض موفور عرض أو كرامة. لقد سائنا أن نشاهد المعركة الإنتخابية التي تبادلتم فيها الإتهامات مع منافسيكم ، وجاء الناخب وقضاياه في آخر القائمة ، سائنا أنكم تشنجتم وهددتم بالـ"عرقنه!" والـ"صوملة!" ، وخونتم معارضيكم – وهم وجه السلطة الآخر كما كنتم تقولون دوماً- وجعلتموهم تتاراً ومغولاً ، وقطعتم حبال التعاون وأحرقتم جسور التواصل البناء و التنافس الجيد.

 نحن نعرف أن المعارضة أثبتت فشلها ، و نعرف مدى جمودها وتحجرها وبعدها عن روح الشارع ، فهي بذلك ليست بأفضل حالاً من غيرها..

نحن نعرف ذلك ، ونعرف كذلك أن في المعارضة أناساً هم أبعد ما يكونون عن الديمقراطية.

لكن الأشخاص هنا ليسوا هم البوصلة والمحور ،ولكن مصلحة الوطن.

يا فخامة الرئيس ...

نريد منكم أن تكونون بحق قائداً تأريخياً ( بأبوية – للأسف – لا تزال جزء من المكون السياسي في وعي الأمة)..

نريد منكم قيادة حكيمة واعية ..تحركون بها المياة الراكدة وتقودون عملية واسعة للتغيير والتطوير، بعيداً عن المزايدات والمناكفات والمكايدات السياسية.

نريد منكم تشريع سياسي واضح ، يحد من نظريات التوريث الذي نشتم رائحته ونرى نذره في الأفق

ونريد هيكلية سياسية وإدارية حقيقة تعطى فيها الحكومات المحلية صلاحيات مطلقة حقيقة ، يراقب فيها المسؤلين ويسألون ،

ونريد منك تأسيس جمهورية حقيقية تبقى بعدك ، وتذكر بها ،

قوامها دستور حقيقي ثابث لا يغير مع كل هبة نسيم ،

 ومعيارها توازن وإتزان دقيقين بين الصلاحيات والمسؤليات.

نريد جمهورية جديدة تكون أبعد ما تكون عن جمهوريات الموز ،

ونظام دوله حقيقي هو أبعد ما يكون عن أنظمة ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)

نريد أن نعيش مجدنا وتاريخنا واقعاً ..

 لا أن نستهلكهما في زخرف من القول غرورا.

نريد غد أفضل..

ليمن جديد أفضل.

 

• مدير مركز الراصد الإعلامي - نيويورك
 

مشاهدة المزيد