ساحات الاعتصام قراءة للأبعاد والادوار
بقلم/ صادق عبدالرزاق العامري
نشر منذ: 8 سنوات و 8 أشهر و يومين
الخميس 08 ديسمبر-كانون الأول 2011 04:52 م

رغم الأهمية الكبيرة للاعتصامات في ساحات الحرية إلا أنها لم تعطى حقها من الدراسة والتحليل المعمق , قد يعود ذلك لانشغال الباحثين بأحداث الثورة , ومن المؤكد ان الاهتمام البحثي سيكون بعد الثورة , لكن المادة المتوفرة اليوم لن تكون متوفرة غدا بذات القدر من الحيوية والواقعية والمعايشة ,

 وسأحاول من خلال هذه القراءة المتواضعة تقديم بعض الأبعاد والمكاسب التي حققتها ساحات الاعتصام والوقوف على أهم الأدوار التي لعبتها ,

الاعتصام تعبير يتجه صوب الإمساك عن الحركة والتمسك بالوقوف وراء قضية , فالسكون والتوقف هو فعل بحد ذاته على قاعدة " أحيانا أن لا تفعل شيء كأنك فعلت كل شيء" وهذا الأمر عميق الدلالة لا يدركه من يعتقد ان المكوث في خيم جمود ليس فيه فعل , بل هو جوهر الفعل وأساسه ويمكن ان نستعرض بعض المكاسب الكبيرة التي حققتها الثورة السلمية من وراء خيم الاعتصام,

- الاعتصام اليد القابضة على عنق النظام , هذه اليد شكلت ضغط نوعيا حال دون قيام النظام بعملية إجهاض الثورة فالاعتصام مثل نقطة استمرار حاشدة , وفي ظل غيابها كان يمكن لأدوات القمع فرض سيطرة أمنية على نقاط التجمع المتوقعة وفض أي نوة تجمهر وقد تتحول نقاط التجمع الى مواقع للاشتباك سيكون الامن فيها منتصرا في الغالب لان حالات التجمهر تتشكل بنفس طريقة نفخ البالون بتدريج او مثل كرة الثلج حتى تخذ شكلها الحاشد القادر على إجبار أدوات القمع الأمنية على التراجع , حيث يمكن السيطرة على كرة الثلج عند تشكلها ويستحيل ذلك حين تصبح كرة الثلج بحجم جبل , اما في حالة الانطلاق من الاعتصام فان الأمر يختلف فهو حالة احتشاد دائمة تزداد باستمرار, لا تستطيع أدوات القمع التعامل مع هذا الاحتشاد الكبير , وأمام هذا الاستعصاء لم يجد النظام من سلاح غير المراهنة على عامل الوقت بالإضافة الى الحرب النفسية ومحاولة خلق بؤر التشكيك والإرباك والسحق النفسي

 - اسقط الاعتصام كل وسائل سحق المعنويات إذ حاول خبراء النظام المستقدمين من الخارج تنفيذ خطط التدمير النفسي , لكنهم لم يفلحوا فيما جاءوا لأجله , وفشلهم يعود لسبب بسيط ان تلك الخطط أصلا معدة ومجهزة للفتك الفردي, بمعنى ان نجاحها مرهون بالتعامل مع الحالات الفردية و ليس لها تأثير على الحالة الجمعية كالاعتصام , وهذه قضية معروفة في علم النفس , فالخوف يسيطر على الفرد بصورة مدمرة ويقل حجم التأثير في الحالة الجماعية القائمة كوحدة متماسكة من حيث الزمان والمكان , و كلما زاد العدد ضعف التأثير النفسي السلبي , لان الاعتصام الدائم يخلق بدلا من الخوف حالة تحدي ,الخبراء الذين جلبهم النظام يعتمدون على نظرية الشعور الجماهيري داخل الفرد بغض النظر عن حالة الاجتماع , إذا ان هذه النظرية تتجاوز المكان وزمان للأفراد باعتبارهم وحدة نفسية مشاعرية واحدة وان كانوا في أماكن متفرقة ومتباعدة , فسيصيبهم تأثير الحرب النفسية كأفراد يحملون شعور نفسيا واحد ويتأثرون جميعا من حيث اتجاه التأثير وليس المقدار فالمقدار فردي , وهنا يمكن القول ان الحرب النفسية وقعت في خطاء فادح فلم تحسب أي حساب للحالة الدائمة مثل الاعتصام , فسقط تأثير الحرب النفسية داخل الاعتصام والدليل ان الاعتصام أصبح المكان الأكثر أمانا للأشخاص الذين يسيطر عليهم الخوف في حالتهم الفردية , ويشعر هؤلاء بالطمأنينة, و روح التحدي حين يضعون أول قدم على ارض ساحة الاعتصام , هذه الأمر يعني ان الاعتصام اسقط ودمر وسائل ورسائل الحرب النفسية , وباتت تحلق تلك الحرب النفسية بأدواتها ورسائلها حول الاعتصام , كما يحلق النسور لتصطاد من هم خارج حصانة الاعتصام , وهذا أمر بالغ الأهمية , لن الهزيمة النفسية اشد وأكثر تأثير من الهزائم المادية , وكان النظام يراهن كثيرا على نجاح الخبراء الذين استقدمهم بمبالغ كبيرة لشن حرب نفسية تدمر معنويات الشباب وتفض جمعهم وعدم نجاح النظام في حربه النفسية مؤشر كبير على فشله وانكساره في الواقع بكل أبعاده .

 - يعتبر الاعتصام العقد الرابط لمختلف مكونات قوى الثورة والحاضن لها , ومركز الاستقطاب والاتصال , في الاعتصام يعلن المؤيدين للثورة السلمية انضمامهم لها زرافات ووحدانا, وبهذا يكون الاعتصام مركز التجميع والتنسيق وربط , وفي ظل غياب الاعتصام لن يكون سهل القيام بعملية الاتصال والتنسيق للفعاليات الثورية , ولن تكون المظاهرات بهذا الحجم الكبير , وبذلك فان الاعتصام أربك قوانين اللعبة المعتادة , واسقط النموذج الشبيه بـ" توم وجيري" إذ مثل الاعتصام حالة صمود واستمرار لا يمكن تجاهلها , ولم يستطع النظام حجبها عن العالم الذي أندهش بها إعجابا , استخدم النظام كل ما يستطيع لنفي حقيقة الاعتصامات الثورية وفعالياتها وما افلح ,وكان بإمكانه تحقيق نجاحات أمام الفعاليات المتقطعة والغير دائمة . الاعتصامات هي سر الصمود الزمني كل هذه الفترة

 - الاعتصامات السلمية وقفت عائقا أمام الحرب الشاملة لان النظام لا يستطيع شن حرب في ظل وجود الاعتصام السلمي خوفا من ردة الفعل العالمية والإسلامية على المستوى الشعبي وعلى المستوى الرسمي , كما انه لم يفلح في تسويق ان ما يحدث في اليمن هو صراع مسلح , وتصوروا معي لو ان النظام قام بالقصف الذي يمارسه في ظل غياب الاعتصام لكان استطاع تحويل العاصمة الى مدينة أشباح خالية من أي فعل سلمي وان حدث فعل سلمي سيكون محدود الكيف والكم معا , عندها سيتمكن النظام من إعلان حالة الحرب كعمل دعائي وسيقنع العالم ان ما يحدث في اليمن صراع مسلح على السلطة , وان هؤلاء المناهضين له ليسوا سوى تحالف قوى القاعدة , الاعتصام اسقط كل ذلك , الأمر الذي يعني ان أوراق صالح القديمة فسدت , وتكتيكاته المعتادة تبخرت على صخرة اسمها الاعتصام , لان النظام لم يجرب التعامل من قبل مع هذا النوع من الفعل الجماهيري الدائم