في رقبة كل يمني للإخوان المسلمين جميل!
بقلم/ أنور بن قاسم الخضري
نشر منذ: 8 سنوات و 11 شهراً و 16 يوماً
الإثنين 12 ديسمبر-كانون الأول 2011 06:12 م

الحمد لله أمر بالحق وقال بالصدق وحكم بالعدل ووسع عباده علما ورحمة،

والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد :

فإن كل يمني مسلم له دين صادق وعقل راجح ودراية بالواقع لا يمكنه إلا أن يسجل في ذاكرته لحركة الإخوان المسلمين الجميل والفضل، في ما مضى من تاريخها المشرق، وفي ما ظهر من حاضرها المغدق. فهذه الحركة التي أساسها الإمام الشهيد حسن البنا –رحمه الله تعالى- امتدت لكافة أرجاء المعمورة، حيث وضع لها القبول في هذه الأمة، وأثمرت دعوتها وحركتها خلال ما يقرب من القرن ما يفوق عن التعداد من الخير والعمل الصالح والجهاد المبارك، علما ودعوة وحركة دؤوبة نشيطة في سبيل إصلاح الأمة والنهوض بحالها. وكان لليمن نصيب من هذا الامتداد. فتحقق على يديها من انتشار العلم والدعوة والصلاح ما لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة .

وحيث أن هذه الحركة أرادت النهوض بالأمة جميعا، فقد وضعت مشروع النهضة السياسي ضمن أولويات اهتمامها منذ وقت مبكر. وانطلقت في رؤاها وحركتها في ذلك من اجتهادات المؤسسين السابقين للحركة وآراءهم، وقد واجهت بيئة جديدة لم تألفها الأمة من قبل: إزاحة الشريعة، طغيان السلطة، علمنة الثقافة والإعلام والقانون وحياة الناس. فلما كانت في صدارة من واجه هذه التحولات في البلدان العربية كان من الطبيعي أن يغلب على تعاطيها الاجتهاد التجديدي، في محاولة لاستيعاب هذا الواقع. ومن الطبيعي -وهم بشر يواجهون العدو الداخلي والتآمر الدولي- أن يقعوا في اجتهادات خاطئة، مثلما أصابوا في اجتهادات أخرى. وقد بذلت الحركة وسعها، في كل بلد وفقا لقدراته وظروفه وبحسب طاقاتها وإمكاناتها .

غير أن تباين الساحة الدعوية واختلاف الرؤى، سواء في مصر –تحديدا- وهي التي شهدت نشاطا إسلاميا واسعا وكبيرا خلال النصف الثاني من القرن المنصرم، أو في بقية الدول العربية، أوقع الحركة –كأي اجتهاد فكري وجماعة مذهبية- للدخول مع بقية القوى في صراعات فكرية وحركية، كان بعضها بتأجيج من الأنظمة، وبعضها من فعل سوء الظن، والآخر نتيجة الجهل والتطرف لدى كل فريق .

ومع ذلك كله مضت حركة الإخوان المسلمين تشق طريقها، ترتاد كل عمل إيجابي وتتقدم في كثير من الميادين، لكونها واجهت من الأنظمة تضييقا ألجأها للبحث عن المخرج واضطرها للأخذ بالأسباب والإبداع في الوسائل .

أما تاريخها في اليمن، فهو تاريخ أبيض ومشرق، مهما تخلله من الزلل، فهي كالبحر طهور ماءه حل ميتته. فقد وقف رموزها مع التغيير إلى الأفضل في زمن الثورة الأولى، وسعت الحركة بكل ما أوتيت من وسيلة لتصحيح مسار تلك الثورة، غير أنها كانت في تلك المرحلة تواجه تيارا من القوى العلمانية بكل أطيافها .

تنقلت الحركة من المعارضة إلى السلطة، وتحالفت مع بعض الرؤساء، وانتقلت من السلطة إلى المعارضة، وكانت غالبا تغلب كفة القضايا الكلية للمجتمع على خصوصياتها هي. (وإن كان ذلك أوقعها في بعض الأمور المخالفة لأصل دعوتها). لكنها لم تسجل في تاريخها روح عنف أو دموية متوحشة، أو فساد وتخريب، أو غير ذلك .

صحيح أن الحركة في اليمن –كما هو حالها في أكثر من بلد- ترى أنها الجماعة الأم، وتعامل المخالفين من بقية التيارات بهذه الرؤية (الضيقة)، إلا أنها كانت في عدا ذلك أكثر تسامحا وانفتاحا وحكمة. فبفضل الإخوان في اليمن انتشرت السنة، وعمت روح التدين والصلاح، وسادت مفاهيم العفة والطهر والعفاف .

واليوم وبعد الثورة الشعبية السلمية المباركة وما قدم الإخوان فيها من نموذج للحركة التغييرية الجلدة المصابرة المتحلية بالعزيمة والتضحية والحنكة فإنهم يضعون في عنق كل يمني جميلا، ويمتنون عليه بهذا المنجز التاريخي الجديد، حيث كانوا الأكثر حضورا في الساحات، والأكثر فاعلية، وانتظاما، وأداء، وصبرا .

يبدو لدى البعض المشهد في تفاصيله –هنا أو هناك- سيئا، حيث تحكى روايات حوادث في الميدان والساحات، وتنقل تصريحات في المجالس والغرف، وتنقل هفوات ليست بالهينة في بعض المواقف والتكتيكات. وهذا أمر لا غبار عليه. وهل نظن اليوم أن هناك جماعة أو تيارا مهما ادعى من شعارات وآمن من عقائد وقيم ومبادئ وأخلاق قد حقق الكمال. إن الكمال عزيز على الأفراد، فكيف بالجماعات؟ بل كيف بنا ونحن بعد القرن الرابع عشر حيث تضاءلت الخيرية في الأمة؟

وهنا يجب السمو، والنظر إلى المشهد بكليته، فإن المطر لا يذم بإنباته الشوك، وإهلاكه للزرع أو للضرع، أو هدمه للمنازل أو إغراقه لقوم، بل ينظر إلى كليته بأنه رحمة وأنه نعمة .

نعم.. إن الحقيقة والدين يأبيان إلا الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، وأهل السبق بسبقهم، وهذا لا يضيع تميز الآخرين في صفاتهم بل لا يسقط واجب النصيحة والإصلاح في حق صاحب الفضل والسبق. فهذه مسألة وتلك مسألة. والعدل من وزن الحسنة بميزانها ووزن السيئة بميزانها، بحيث لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا رأى لها حقا في الوزن .

وهنا قد أعرف مرارة هذا القول على تيارات غير إسلامية، تود الانقضاض على التيارات الإسلامية، بمن فيها حركة الإخوان المسلمين التي تمثل رأس الحربة والسياج الأوسع والقوة الأكبر من بين التيارات. لكن ما أتمنى ألا يقع هو أن تكون هناك مرارة عند بعض المنتسبين للتيارات الإسلامية من هذا القول. خاصة ممن يحملون على هذه الحركة من مواقف شخصية أو تباينات أخذت حد العداء والفجور في الخصومة. فإني أجلهم عن أن تأخذهم العزة بالإثم .

فالله عز وجل لن يظلم عنده أحد، حتى الكافر والزنديق بل وإبليس ومن بلغ مبلغه أو قارب. لأن الله تعالى جعل من واسع رحمته أن يقدم لعباده العذر فإن انتهت الأعذار نظر إلى الحسنات فإن لم توجد الحسنات نظر للبلاء وللقصاص فخفف عن عباده فإن لم يجد لهم شيئا يدخلون به الجنة شفع خلقه من الرسل والأنبياء والملائكة والصالحين فإن عجزوا عن إدراك عباده شملهم بواسع رحمته فأدخل في جنته من يشاء! فأي شيء بعد هذا بقي .

إن الجاهليين عرفوا قدر الجميل واعتبروا مقامه. قال عروة بن مسعود حين جاء مفاوضا للرسول –صلى الله عليه وسلم- في الحديبية، وقد شتمه أبو بكر –رضي الله عنه- بأقذع الشتم: أما والذي نفسي بيده، لولا يدٌ (أي نعمة) كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. لأجل هذه المبادئ وغيرها اختار الله قريشا فبعث فيها محمدا رغم جاهليتها .

وهذا الرسول –صلى الله عليه وسلم- يعترف بجميل إنسان مشرك عليه، فيقول يوم بدر متذكرا جميل المطعم بن عدي: (لَوْ كَانَ الْمُطْعِم بْن عَدِيّ حَيًّا ثُمَّ سَأَلَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَوَهَبْتهمْ لَهُ) يعني الْأُسارى، وقد مات المطعم مشركا. لا لشيء سوى لأنه كان قد أجار رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يوم رجع من الطائف. هذا مع اختلاف الدين، فكيف وجميع التيارات الإسلامية صفا واحدا؟ !

إنني ادعو اليوم التيارات الإسلامية في اليمن بكل اتجاهاتها أن تعيد النظر في تعاملها فيما بينها؛ فإن المحن أفضل الظروف للتقارب والالتحام كما أنها أخصب البيئات لانتشار المرض والجراثيم. ونحن اليوم أمام تحديات كبيرة تعصف باليمن، وقد وقى الله تعالى شر الفتنة، وسقط النظام بأقل التكاليف. ولا ينبغي الاهتمام بالعتاب وإعادة الجدل فيما مضى على سبيل المنابزة والاتهام، فإن ذلك أمر لا ينبغي بين المؤمنين، ولنا في محاورة آدم –عليه الصلاة والسلام- وموسى –عليه الصلاة والسلام- خير قدوة وأسوة .

يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (احتج آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة -هكذا في بعض الروايات، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وخط لك التوارة بيده، تلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة)، فقال صلى الله عليه وسلم: (فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ).

إن قول آدم لا ينفي الخطيئة والاستغفار، وقد كان ذلك منه، وقول موسى –عليه الصلاة والسلام- لا ينفي خطيئته وقد قتل هو أيضا واستغفر، لكن آدم –وهو الوالد المشفق- يمتدح موسى بخير ما فيه. فأي أخلاق هذه؟ وأي روح تلك؟

إنني لا أطالب الناس بإنكار الاختلاف والتباين، ولكن لكل مقام مقال، والجميع في سفينة واحدة، يجب أن يجتمع مقصودهم على ألا تنخرق فيغرقون ويهلكون جميعا. كما أن على الحركة خصوصا أن تمتثل رؤيتها بأنها الجماعة الأم فتحمل دلالات الحنان والعطف والاستيعاب لغيرها، كما هي تحتضن التيارات الأبعد عنها. وهي بلا شك الأقدر على هذا الاستيعاب لمرونة فكرها وحركتها وتنظيمها معا .

يجب أن يتجاوز الجميع الماضي بكل سلبياته، وأن يسمو فوق أي قضية خاصة، وأن يضعوا كل أمر في موضعه، وأن يكونوا يدا واحدة، خاصة وأن هناك من قد كشر أنياب العداء للشعب عموما، فجورا في الخصومة وإظهار للنوايا الخبيثة والمقاصد السيئة والمطامع الشهوانية .

ولتسقط ثقافة الإلغاء والإقصاء والازدراء (وحسب المسلم من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)، و(المؤمن للمؤمن كالبنان أو البنيان وشبك بين أصابعه). وإذا كان من الواجب النطق بالحق فليكن بالحسنى: ((وقولوا للناس حسنى))، وإذا كان من الواجب الإحسان ((فالأقربون أولى بالمعروف )).

ولنأخذ بيد بعضنا بعضا، فإن التيارات الإسلامية كما يؤكد الواقع بعضهم سياج بعض، وقد قال الإمام علي –رضي الله عنه- وهو ينظر مقتل عثمان ويعرف انعكاس ذلك: أكلت يوم أكل الثور الأسود .

اللهم انصر من في نصره صلاح للإسلام والمسلمين، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، وألف قلوبهم على الخير، ووطن أنفسهم على العدل والإحسان.. آمين