ماذا خسر أنصار الشريعة في رداع بمقتل الشيخ طارق الذهب؟
بقلم/ عبد الرزاق الجمل
نشر منذ: 7 سنوات و 4 أشهر و 29 يوماً
الأحد 19 فبراير-شباط 2012 04:57 م

بمقتل الشيخ طارق الذهب يكون أنصار الشريعة قد خسروا شخصا مهما في منطقة مهمة، وربما يؤثر ذلك على ما كان يخطط له أنصار الشريعة في المحافظة، إن كانوا يخططون لشيء فيها، لكن ذلك لن يؤثر على طبيعة حضورهم ونشاطهم العملياتي.

واكتسب الشيخ طارق أهميته الخاصة لدى أنصار الشريعة من أهمية الثقل القبلي له داخل قبيلته، وثقل قبيلته داخل قبل مديريات رداع. وللشيخ طارق شخصية قوية كانت سببا في اندفاع الناس إليه ووقوفهم إلى جانبه. وهو ما يعني أن مثله قد لا يعوض في مثل تلك المنطقة.

وبرغم أن الشيخ طارق، وعلى عكس ما كان عليه في السابق، بدأ يحتاط لنفسه، خصوصا بعد الإشاعات التي قالت إنه قتل في الغارة الأمريكية التي استهدفت بعض مقاتلي أنصار الشريعة في منطقة أمخديرة بين مديريتي الوضيع ولودر بمحافظة أبين. إلا أن الموت أتاه من حيث لا يحتسب، على يد شقيقه حزام الذي باشره بالرصاص بعد أن جاء الشيخ طارق ليسأله عن سبب طلبه من أنصار الشريعة مغادرة المسجد.

ومع أن عملية الرد لأنصار الشريعة، والتي أدت إلى مقتل حزام الذهب عبر سيارة مفخخة دمرت منزله بالكامل، قد تحافظ على ما كان لهم من هيبة، خصوصا بعد تمكنهم من قتل ابن أخيه الذي شارك في العملية وقتل الأخ الصغير للشيخ طارق، إلا أنهم خسروا شخصا مهما، لكنهم ارتاحوا أيضا من الإزعاج الذي كان يسببه حزام الذهب.

وربما تظهر هنا أهمية خروج الشيخ نبيل الذهب من سجن الأمن السياسي على خلفية اتفاق صلح انسحب بموجبه أنصار الشريعة من مدينة رداع، إذ من المتوقع أن تؤول أمور أنصار الشريعة إليه بعد أخيه طارق، أو إلى أخيه الآخر قائد الذي قاد عملية تصفية حزام. وللشخصين حضور لا بأس به داخل القبيلة، خصوصا الشيخ نبيل.

وما هو مؤكد الآن هو أن أربعة من عائلة الشيخ أحمد ناصر الذهب غادروا الحياة إلى غير رجعة، لكن حياة من تبقى منهم قد تحفل بالكثير، فما حدث لن ينتهي عند موت الأشخاص الأربعة، خصوصا عند أن يتعلق الأمر بتنظيم القاعدة الذي يعرف جيدا كيف يرد وكيف يمتص الضربات. بل إن ما حدث قد يبرر به التنظيم كل ما سيحدث في قادم الأيام.

وربما يسعى التنظيم خلال الأيام القادمة إلى إثبات أن ما حدث لن يؤثر على حضوره وعلى طبيعة نشاطه في مدينة رداع وفي محافظة البيضاء ككل، لكن رده قد يقتصر في المرحلة القادمة على الاستهداف الذي يجعل المحافظة في حالة قلق أمني تمكنه لاحقا من بسط نفوذه فيها، أو من الحفاظ على استمرار عمله بهذا الشكل، وربما يرى أن هذا أفضل من السيطرة التي قد تجعله في مواجهة مباشرة مع بعض أبناء القبائل الذين لا يرغبون بوجـوده بهـذا الشكـل، بالإضافة إلى أنه سيحظى بفرصة العمل خارج ضغط المسئولية، كما هو حاله في المناطق التي يسيطر عليهـا.

ولأنصار الشريعة كثير من المؤيدين والمناصرين من ذوي الثقل القبلي وغيرهم في محافظة البيضاء، بالإضافة إلى حضورهم الكبير فيها عبر كثير من مقاتليهم، ولهذا السبب نجح خلال الأسابيع الماضية في توجيه ضربات قوية ضد منتسبين إلى الأجهزة الأمنية من المطلوبين له في المحافظـة. وكلهم يحملون رتبا عسكرية كبيرة.

ومع أن أسباب ما قام به الشيخ حزام الذهب ضد أخيه الشيخ طارق الذهب لاتزال غامضة إلى الآن، إلا أن أسباب أنصار الشريعة في الرد خلال الأيام القادمة ستكون واضحة جدا. أي أن ذلك منحهم مبررا للنشاط داخل محافظة البيضاء، إلى جانب مبرر عدم التزام لجنة الوساطة بما تم الاتفاق عليه، وكان من تبعات الثاني ما حدث في المحافظة خلال الأسابيع الماضية، أما تبعات الأول فلازلنا ننتظرها، ويبدو أنها ستكون بحجم الحدث.

والانقلاب على ما تم الاتفاق عليه في مدينة رداع يعني أن المنقلبين أعادوا ترتيب أوراقهم بشكل يصعب معه على مقاتلي أنصار الشريعة أن يعودوا إلى المدينة للسيطرة عليها مجددا، لكن أنصار الشريعة قد لا يعودون بالشكل الذي يتوقعونه، إذ لو كانوا يريدون العودة بهذا الشكل لما خرجوا من المدينة أصلا. والعودة المرتقبة قد تكون عبر العمليات الخاطفة التي يبرع أنصار الشريعة في تنفيذها، كما أشرنا إلى ذلك قبل قليل.

من يقف وراء حزام؟

في ذات الليلة التي قُتل فيها الشيخ طارق الذهب كان رئيس القطاع الخاص في الحرس الجمهوري ورئيس اللجنة الانتخابية وآخرين قد قتلوا على يد أنصار الشريعة في محافظة البيضاء، كما سبقت هذه العملية أكثر من عملية ضد منتسبين إلى أجهزة أمنية في المحافظة ذاتها.

وتقول رواية أنصار الشريعة إن الشيخ حزام الذهب أتي إلى المسجد الذين يتواجدون ويتواجد الشيخ طارق الذهب فيه، وطلب منهم الخروج، لكن لا أحد يدري ما الذي دفع حزام إلى ذلك، بل وإلى الإقدام على قتل أخيه دون أن يكون هناك ما يوحي بأن شيئا كهذا قد يحصل.

فهل حركته عملية القتل التي حدثت في ذات الليلة، على اعتبار أن أنصار الشريعة الذين يتواجدون في ضيافة أخيه هم من نفذها، أم أن هناك من حركه بعد هذه العملية، خصوصا وأنها استهدفت من له علاقة بعمل انتخابي تسعى حكومة الوفاق بكل ما أوتيت من قوة إلى إنجاحه؟.

ولا يعني هذا بالضرورة أن جهات في الحكومة الجديدة حركت الشيخ حزام، لكن إشارة البعض إلى أن جهات أمنية تقف وراء العملية يثير الشك حو جهات في حكومة الوفاق، كون إلقاء التهمة على نظام صالح يعني تبرئة الطرف الآخر، ويمكن لقائل أن يقول إن من حرك الشيخ خالد الذهب ليصرح لوسائل الإعلام ضد أخيه هو من حرك الشيخ حزام ليقتل الأخ ذاته، بعد أن لم تجد الوسائل الأخرى نفعا لإيقاف إزعاجه.

لكن القول إن نظام صالح يقف وراء تحريك الشيخ حزام، لغرض إرباك المدينة أو المحافظة قبل الانتخابات، يبدو وجيها أيضا، إن سلمنا بأن نظام صالح يسعى فعلا إلى إفشال الانتخابات، رغم أن ما هو ظاهر حتى الآن هو أن النظام يبدي رغبته في إنجاحها، وقد تكون له أساليبه في إفشال مرحلة ما بعد الانتخابات، كونها المرحلة التي سيعني فشلها توسع الهوة بين الشعب وبين من أقنعوه بأن الانتخابات هي الحل الوحيد لإخراج اليمن من مأزقها الحالي، إن كان بمقدوره أصلا أن يلعب في مرحلة ما بعد الانتخابات.

على أن تحرك الشيخ حزام من تلقاء نفسه دون أن تكون هناك جهات تقف خلف تحركه، وارد أيضا، لكن ذلك يبدو بعيدا، لأن هذا التحرك لا يعني أن يباشر قتل أخيه الشيخ طارق الذهب بهذا الشكل. غير أن ظهور الشيخ خالد الذهب على وسائل الإعلام مجددا ليقول إنه كان في رداع ليلة العملية ثم يورد رواية أخرى لما حدث، رغم أنه لم يكن في رداع ورغم أن روايته غير صحيحة، أمر يثير الشكل حول علاقة الشيخ خالد بما قام به أخوه حزام.

وفي هذه الحالة ستعود التساؤلات ذاتها: من يقف وراء الشيخ خالد الذهب إن كان هو فعلا من يقف وراء تحرك أخيه حزام؟. لكن الجواب قد يختلف لاختلاف الأهداف والارتباطات. فمن المستبعد أن يقف النظام وراء الشيخ خالد، لأن خالد سبق وأن اتهم النظام بالوقوف وراء سيطرة أخيه الشيخ طارق على المدينة، ما يعني أن علاقة خالد بالنظام لا تخدم هذه الفرضية، غير أن اتهام من روجوا له إعلاميا بالوقوف وراءه، أمرٌ يحتاج إلى دليل أو معلومات أكيدة، وإن كانت معظم الأحداث في هذه الجوانب تقوم بشكل أكبر على التحليلات التي تستند على القرائن في الغالب، والقرائن تخدم هذه الفرضية بشكل كبير، لكنها لا تخرجها عن كونها مجرد فرضية.

على أن وقوف الرغبة بالانتقام من الشيخ طارق الذهب وراء تحريك الشيخ خالد الذهب لأخيه حزام، ليس بالأمر البعيد، خصوصا بعد التصريحات التي رد بها الشيخ طارق على تصريحات أخيه خالد عقب سيطرة الأول على مدينة رداع. وكان الشيخ طارق قد قال إن أخاه خالدا مطرود من رداع بل ومن العائلة بسبب قضايا أخلاقية، ومن شأن مثل هذا الكلام أن يثير الرغبة في الانتقام بشكل كبير.

وما هو مؤكد الآن هو أن لا شيء مؤكد يمكن أن يزيل هذا الغموض حول دوافع ما أقدم عليه الشيخ حزام، غير أن معرفة الدوافع والأسباب التي أدت إلى ما حدث لا تبدو مهمة بالنسبة لأنصار الشريعة الذين يرون كل الأطراف المشتبه في تورطها بقتل الشيخ طارق الذهب خصوما لهم، لأسباب أخرى كثيرة.

عش الدبابير

حرص أنصار الشريعة على أن يبقى عملهم غير ظاهر في مدينة رداع خلال الأشهر الماضية، قبل أن تأتي تلك الحادثة التي شاءت للسيطرة أن تكون بذاك الشكل الذي لم يكنوا يرغبون به، والذي جعلهم يخرجون بطريقة لا يخرجون بها عادة من مناطق سيطرتهم، وعبر وسيلة لا يتعاملون معها عادة.. التفاوض.

لكن بعد أن ظهر وجودهم في مدينة رداع، ولم يعد هناك ما يدعو للامتناع عن القيام بما يشعر بوجودهم، ربما يمارسون نشاطهم العسكري دون تحفظ، خصوصا وأن لديهم الكثير من الخصوم في المدينة، ممن يرون أنهم غدروا بهم، ومن الحوثيين الذي وقفوا ضد وجودهم في المدينة، ومن المنتسبين إلـى الأجهـزة الأمنيـة.

ووجود محافظة البيضاء في حدود المحافظات التي يتواجد فيها أنصار الشريعة بقوة، كشبوة وأبين ومأرب ولحج، سيسهل عليهم من مهمة هذا النشاط، كما أن استهداف الخصوم بقوة سيعمل على تحييد من يمكن أن يجندوا للعمل ضد أنصار الشريعة في المحافظة، تماما كما حدث في محافظة أبين.

وقطعا سيكون لهذا النشاط ما بعده، حتى وإن طال أمده، فلم يتمكن أنصار الشريعة من السيطرة على محافظة أبين إلا بعد سنين من نشاط مشابه فيها، خصوصا حين تتاح فرصة كالتي أتيحت لهم خلال عام 2011م في بلد لا يبدو أنه سيشهد استقرارا على المدى القريب.

إلا أن واقع المرحلة القادمة قد يختلف كثيرا عن واقع المرحلة التي عمل فيه أنصار الشريعة خلال الأعوام الماضية. لكن واقع أنصار الشريعة سيكون مختلفا هو الآخر، بالذات في ظل سيطرتهم على مناطق شاسعة ووجودهم بشكل فاعل في أخرى، وإصرارهم أيضا على أن ما تحت أيديهم سيظل تحت أيديهم، بل وعلى أن ما تحت يد غيرهم سيؤول إليهم.

والخلاصة أن ما حدث في مدينة رداع منذ سيطرة الشيخ طارق الذهب عليها، إلى خروجه منها، إلى مقتله على يد شقيقه، يؤكد أن أمر أنصار الشريعة بات أكبر مما يتصوره الكثيرون.