الدولة المدنية والتحالف الشيطاني
بقلم/ د. محمد البنا
نشر منذ: 8 سنوات و 5 أشهر و 16 يوماً
الإثنين 02 إبريل-نيسان 2012 08:15 م

انطلقت ثورة الشباب لتغيير واقع بلادنا المزري وبناء الدولة المدنية الحديثة وتحقيق الأمن والاستقرار في كل ربوع الوطن. وبعد مرور عام على انطلاقتها نجد أنفسنا نعيش تغييرات غريبة ومخيبة لأمال الشباب في الحق والعدل والمساواة.

شاركت غالبية فئات الشعب اليمني وأحزابه وقبائله, في ثورة التغيير الشبابية, وتوحدت على أهدافها وتدربت على مبادئها, فعكست للعالم يمنا أخر غير ما سمعوا به عن اليمن واليمنيين. تعايش الخصوم في خيمة واحدة تاركين السلاح, مدافعين عن بعضهم بصدورهم العارية, صابرين على الأذى والقتل متناسين كل خلافاتهم واختلافاتهم السياسية والمذهبية, وكانت المرأة اليمنية تاج الثورة ومشعلها.

جاءت المبادرة الخليجية لتقلب موازين القوى وتكشف المستور وتفضح المنافقين, فصارت الثورة أزمة والتضحية بالنفس إثم وحماية القتلة مفسدة صغرى. الأخطر من ذلك ان المعارضة ركنت الى الخارج في كل شيئ غير آبهة بما يدور حولها, بل بدأت باختلاق أعداء جدد من شركائها في الوطن والثورة والمعاناة تاركة لخصومها فرصة إعادة ترتيب الأوراق والتحضير لمعركة الغد سياسية كانت او عسكرية, ونوضح ذلك بالاتي:

1- كثيرا من الوجوه البارزة إعلاميا في الثورة اختفت ولم نعد نسمع لها صوت, طالما لم تحصل على منصب او ميزة.

2-كثيرا ممن يعتبرون أنفسهم قيادات او واجهات لأحزابهم وجعلوا من أنفسهم واجهات للثورة الشبابية يغرقونها بفتاويهم المقدسة, انقلبوا على أنفسهم معتبرين ذهاب الشباب الى التضحية بأرواحهم إثم, لأنهم لم يحاولوا تجربة طريق السلامة, وحرمت على الشباب خاصة المستقلين تكوين هيئات او أحزاب لهم تدعم مفاوضاتها السياسية تحت ذريعة عدم تفتيت الساحات.

3- دعت بعض أحزاب المعارضة الى الصمود السلمي في مواجهة القتل المجاني للشباب في الساحات والمسيرات وخصوصا في تعز, رافضة لمبدأ سلمية محمية حتى عند انتهاك أعراض نساء تعز, ولم تجازف في خوض مواجهة مسلحة مع حليفها السابق الا عند اقترابه من منازل أولاد الأحمر.

4- شارك الحوثيين في الثورة وافترشوا الساحات وشاركوا في الاعتصامات والمسيرات وغيرها من الفعاليات, دون ان يتخوف احد من الخطر الإيراني والتوسع الشيعي, بل وطالبوهم بالتحول الى حزب سياسي. لكن بعد التوافق السياسي أصبح الحوثيين خطرا داهما, وعملاء لإيران ينفذوا مخططاتها في اليمن, فصدرت الفتاوى الحربية بوجوب قتالهم, واستنفرت القوات والرجال والعتاد التي اختفت في تعز عند إحراق الجرحى في ساحة الحرية وقتل النساء في المساجد ونزع أغطيتهم في الشوارع, وعند اخرج المسلمون في أبين من ديارهم وتشريدهم وتدمير ممتلكاتهم وأموالهم.

5- المفاجئة ان العالمين بخفايا الأمور يفتونا بان الرجال الذين ضلوا معنا دوما في مقدمة الصفوف وفي وجه الموت والمطاردات الأمنية, صادقين فيما عاهدوا الشعب عليه وحمايته قدر المستطاع, صاروا اليوم عملاء وخونة وأذناب لإيران وغيرها, وشنوا عليهم حملة إعلامية تحريضية شعواء لم يحصل عليها اكبر رمز من رموز الفساد وقائد بلاطجة القتل والتعذيب والاختطاف للشباب.

في الجانب الأخر توجه خصوم الأمس الى تفريخ أحزاب جديدة حتى ممن يرفضون الحزبية والسياسة تضاف الى الأحزاب الوهمية السابقة, وتشكيل منظمات حقوقية ومدنية وغيرها تحضيراً لمشاركة الجميع في الحوار الوطني الذي لن يستثني حزباً او جماعة, ليضل المشترك طرفا واحداً في مواجهة مكونات عديدة للمجتمع مفرخة وجاهزة لتكون طرفا اساسياً في تحديد مستقبل البلاد والعباد.

الأخطر من ذلك ان الدجاجة التي كانت تبيض ذهبا أميركيا وخليجيا لحلفاء الأمس, تركت في عشها لدى الخصم يستثمرها على هواه. حيث يقوم أقطاب النظام السابق بنشر أخبار قيام أنصار الشرعية بقتل جنود الجيش وقطع الطرق وإقلاق السكينة العامة وتخريب الممتلكات العامة والخاصة, تاركا لبعض اركان المعارضة مهمة الدفاع عنهم وتبرير افعالهم بل والمطالبة بان يكونوا طرفا اساسياً في الحوار الوطني, وهذه بعض الامثلة:

1) لم تمنع مذبحة جنود الجيش اليمني في دوفس عبد الوهاب الديلمي من القول في حواره مع صحيفة الجمهورية, إنهم صادقين في جهادهم، أرادوا أن يغيروا ويصلحوا فلم يجدوا أي استجابة, ناسباً عنفهم وإرهابهم الى الحكام الذين دفعوهم إلى تبني العنف، ومبررا ذلك بان الحكام لو فتحوا مجالاً لهؤلاء وحاوروهم وفتحوا لهم المدارس تعلمهم الإسلام الصحيح لكان الأمر غير ذلك. مضيفا لو وُجد العدل لما وجدت هذه الظاهرة إطلاقاً, ولا ينبغي أن نصب جام غضبنا عليهم.

2) وضعهم فيصل العشاري في موضوعه حوار أنصار الشريعة ضرورة شرعية وواقعية, موضع الضرورة الشرعية تحت مبرر ان المناطق التي سيطروا عليها باتت مناطق آمنة من عمليات النهب والسطو وهدفهم هو تطبيق (الشريعة الإسلامية) وبدرجة أساسية (الحدود الشرعية), ويقترح لحل مشاكلهم, محاورتهم ووضع الضمانات لهم وكف الأذى عنهم وإطلاق سجنائهم وعلاج كل قضاياهم الفكرية والنفسية والمالية وتحمل خروقاتهم, فهؤلاء مواطنون رفعوا السلاح شبهة.

3) في حوار مع صحيفة الأهالي, يقول عبدالوهاب الحميقاني من الحزب السلفي, معترفاً بتخرجهم من المؤسسات الأمنية, لماذا يُتعامل مع القاعدة من خلال الجيش وعدم فتح باب الحوار والتفاهم مع هذه الفئة، في الوقت الذي الحوثي يمارس أبشع الجرائم، ربما أبشع من الجرائم الذي تمارسها القاعدة. في الوقت الذي تدعو الدولة الحوثي إلى الحوار وممثليه يدعون إلى المشاركة في الحوار الوطني. مضيفا: كثير من شبابهم في السجون دون أن يقدموا إلى المحاكمة، بل أصبح الأمن السياسي يعمل لتأهيل هؤلاء الشباب بالعنف. يدخل الشاب إلى معتقل الأمن السياسي ليس له أي ارتباط بهذا التنظيم، فيبقى ثلاث أو أربع سنوات، ثم يطلق سراحه منتمياً إلى الدرجة الأولى من تنظيم القاعدة. فأصبحت هذه المعتقلات من جهتين: حاضنات تربوية لهذا التنظيم، تربي عقدة الانتقام لدى هؤلاء الشباب من الدولة والمجتمع والجنود والأمن.

لقد وصل الأمر بالمعارضة المنتمي اليها وزير العدل بتخطيء الثورة المفاجئة للقضاة, مادحاً النائب العام, ومبررا عدم تحرك النيابة في جرائم القتل العلنية ضد الشباب بأنهم غير ملزمين وعلى المتضرر التوجه ببلاغ إليهم ليقوموا بوظيفتهم, بل وجعل اليمن استثناء من حديث رسول الأمة "قاضي في الجنة وقاضيين في النار", فمن 2500 يمكن ان تجد 100 قاضي مقصر.

أخيراً: أصبحت الدولة المدنية مؤامرة العلمانيين لا يمكن القبول بها, حيث يقول عبد الوهاب الحميقاني إن الثورة خالطها مواقف وشعارات وتباينات ربما تتناقض مع مبادئ الإسلام، لما يأتي واحد يرفع شعار نريد دولة مدنية. فالدولة المدنية مصطلح سياسي المراد به إقصاء الدين عن أن يكون مرجعية أو حكما أو حاكما على هذه الدولة، ويقصد به الدولة العلمانية, ونحن مع الدولة المدنية التي فيها السيادة للشريعة الإسلامية. ويصير الحوثيين خونة وعملاء والحراك الجنوبي مخربين وفاسدين وانفصاليين والمناضلين أمثال السامعي إرهابيين. فهل ستتحول الثورة الى تطهير البلد من هؤلاء لتنتقل بعدها الى غيرهم من كفار الأمس أعداء الإسلام, ويصير أنصار الشرعية هم الحكام بأمر الله في اليمن؟