تفكروا , حتى لا تضيع دماء الشهداء
بقلم/ صالح بن عبدالله السليمان
نشر منذ: 8 سنوات و 4 أشهر و 24 يوماً
الإثنين 04 يونيو-حزيران 2012 05:59 م

كم أتمنى أن يقرأ ثوار الربيع العربي هذا المقال بهدوء , ويتفكروا به مليا , فليس مستقبلهم فقط مرتبط بهذا أو مستقبل الآمة كلها, بل يمكن أن اجزم أن مستقبل الإنسانية كلها قد يتأثر بالخيارات المطروحة الآن . فالمسئولية كبيرة , والخطب جلل

الثورات ليست جديدة في العالم . وسبقتنا أليها الكثير من الأمم , ويجب علينا التفكر في نتائج الثورات ,الثورة الفرنسية , اعدم الكثير من مسئولي عهد الملكية , وأدت إلى ظهور نابليون , وعقود من الفوضى والدماء إلى أن استقرت بعد أن أكلت أبناءها .

الثورة الماوية , اعدم الكثير من مسئولي العهد السابق , وأدت الى ظهور "ماو تسي تونج" كقائد وظهور الثورة الثقافية وتدمير التراث الصيني , وتأخر الصين سنين طويلة

الثورة البلشفية , اعدم القيصر وعائلته وقتل الكثير من مسئولي عهده . وحدثت مآسي قتل والسجن والتعذيب لكل المخالفين أو نفيهم لسيبيريا . وظهور سفاحين أمثال ليبين وستالين

بالطبع ما حدث في العراق لن أسميه ثورة , لأنه إسقاط نظام حكم بقوة أجنبية , والحكام الجدد جاءوا على ظهر الدبابة المحتلة . ولكن حتى هؤلاء احضروا معهم مأساة نظام اجتثاث البعث .

والآن نحن في عصر الثورات العربية , فهل سنسير بنفس الطريق الذي سارت عليه الثورات السابقة , اجتثاث كامل , ثم نمضي حقبا من الزمن في حالة فوضى وضياع أمن ؟

أم نقع في نفس الفخ الذي وقعت فيه الثورة في رومانيا , عندما أعدم رأس النظام "نيكولاي تشاوتسكو " وزوجته "أيلينا" , ولكن عاد النظام القديم بناء نفسه على يد أحد رجال العهد السابق" إيون إيليسكو" وكوّن " جبهة الخلاص الوطني" ونشر الخوف والإرهاب وزعزعة الآمن في البلاد , وقام الإعلام بتصوير الثوار والمطالبين بالتغيير أنهم عملاء للخارج . والغريب أن عدد الضحايا الذين سقطوا قبل قتل تشاوشيسكو كانوا 162 قتيل وبينما مات اكثر من 950 بسبب الانفلات الأمني الذي تلى ذلك . وجعل "ايون" الشعب يقاتل الشعب , وجعل العمال يقاتلون الشباب , حتى أجهض الثورة , فأصبحت مثال على نجاح الثورة المضادة .

وأمامنا أيضا خيار آخر , هو الثورة في جنوب أفريقيا , مع الفوارق , فهي كانت ثورة ضد التفرقة العنصرية , وليس الفساد وسرقة المال العام , فجنوب إفريقيا كانت حتى قبل الثورة من أفضل الدول تقدما علميا وبناء . وبعد الثورة لثورة لم تكن هنالك فلول , وتم القضاء على التفرقة العنصرية كنظام اجتماعي وسياسي , وساهم في ذلك وعي البيض , حيث اقتنعوا أنهم لكي يحافظوا على وطنهم يجب أن ينتهي هذا النظام , وتجاوب السود مع نلسن مانديلا , 

الحيرة هنا , كيف سنسير نحن ؟ هل سنسير طريق الفوضى المعتادة بعد الثورات وننتظر عقدا أو عقدين حتى تؤتي الثورة ثمارها , أم سنسلك طريق الثورة الرومانية حيث ستنجح الثورة المضادة وتعود حليمة لعادتها القديمة , أم سنعمل على اكتشاف طريق آخر ؟

جميع الظواهر والمعطيات ترجح أن مصر , تصارع مثل ما صارع الثوار في رومانيا , يقاتلون ضد رجال العهد السابق ويقف النظام القديم والإعلام ضدهم , ويحاول تفرقتهم بينما نجد أن الكثير من ثوار ليبيا جر البلاد إلى عمليات اجتثاث , ويطالبون بالقيام بعمليات اجتثاث كامل للنظام السابق وكل من ارتبط بالنظام القديم وبصورة متطرفة جدا , وحتى ولو بصورة مع رأس النظام السابق , وهذا يدفع الوطن إلى الدخول في عصر الفوضى , وعصر الصراع إلى أن تهدا الأمور بعد عقد من الزمن ليبدأ الليبيون في قطف ثمار ثورتهم .

أم أن يكون لثورات الربيع العربي مسار آخر , مسار جديد , حيث تنجح عمليات المصالحة الوطنية , وينتهي تقسيم الشعب إلى موالي للثورة وموالي للنظام السابق . بشروط أهمها , أن لا تتلطخ اليد بالدم , أو الجيب بالفساد المالي , وأن تكون المحاكمات بعد نجاح الثورة , حيث أنها إلى الآن لم تنجح كاملا , فما زالت الثورة قائمة ودخلت في المرحلة الثانية وهي مرحلة تأسيس نظام الحكم , ومراحل الثورة ثلاث , مرحلة إسقاط النظام السابق , ثم مرحلة تأسيس النظام الجديد , ثم مرحلة بناء الوطن , وما زالت الثورات العربية في بداية المرحلة الثانية , هنا يكون الخطر كبيرا جدا , فهو إما اتجاه للفوضى , أو اتجاه لعودة النظام السابق , أو تكاتف الثوار لبناء نظام جديد .

قانون العزل السياسي قد يساعد كثيرا في تجنب عودة النظام السابق , وهذا ما أخذت الثورة الليبية به , فيمنع ترشح من تولى أي منصب قيادي في النظام السابق أو أذرعته السياسية أو الأمنية , وهذا قد يسهل للثوار الطريق .

ولكن الخطر ما زال قائما بسبب محاولات البعض تمييع معنى "المنتمي للنظام السابق ", وجعل المعنى مطاطا , قد يشمل معظم أبناء الوطن , مما يولد صراعا داخليا , تخسر الثورة فيه التعاطف الشعبي معها , وتطيل من أمد فترة انعدام الآمن . وقد نعود مرة أخرى لمثال الثورة الرومانية أو الثورة الفرنسية أو الماوية ولكن بطريق آخر المصالحة الوطنية هي واجب على الثوار , وليست حقا للمتعاطفين , بمعنى أن الثوار يجب أن يعملوا على تهدئة المجتمع , والعمل على بناء نظام الدولة , وأي تأخر في هذا يدخل الثورة في مخاطر الفشل .

ولهم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة بعد الفتح , أذهبوا فانتم الطلقاء , ولكنه في نفس الوقت أباح دم أربعة, في القصة المشهورة نبراسا وهاديا لكل الثوار .

الفشل في بناء الثقة بين أطراف المجتمع يرجعنا إلى المربع الأول في الخيار بين الأمن والاستقرار أو الحرية التي حارب الجميع من أجلها . وضحى من اجلها شهداء الثورات العربية , فدماء الشهداء تطالب ببناء الدولة التي سيعيش بها أبناء الشهداء وإخوانهم وأهلهم اكثر مما تطالب بغيره . فلو لم تبنى الدولة الحديثة المستقرة , فستكون دمائهم ضاعت هباء , الطريق إلى الحرية يجب أن يكون واضحا ,وأجب الثوار هو بناء وطن الحرية والكرامة والقانون والعدل , ويجب أن نعلم أن أي شي آخر هو بالمرتبة الثانية وعلى طريق الحرية والكرامة نلتقي