أغنى رجل في العالم مهاجر عربي
بقلم/ علي عبد العال
نشر منذ: 12 سنة و 8 أشهر و 25 يوماً
الأحد 08 يوليو-تموز 2007 09:04 م

 مأرب برس ـ خاص 

ظل اسم "بل جيتس" لعدة عوام يتردد كمرادف لجملة "أغنى رجل في العالم"، وهو المصطلح الذي تمكن أخيراً اللبناني الأصل "كارلوس سليم الحلو" من انتزاعه، بعد أن بلغت ثروته 67.8 مليار دولار.

ولعل مجتمع رجال المال في العالم استيقظ يوم الثلاثاء 3 يوليو، ليجد رجل الأعمال المكسيكي 76 عاماً، متربعاً جديداً على هذا العرش الثري، بعد أن أزاح عنه صاحب شركة "ميكروسوفت". ولم يكن بل جيتس أول أمريكي يزيله كارلوس سليم، عن كرسيه حيث سبقه "وارين بافيت" ــ عملاق قطاع العقارات الأمريكي ــ الذي استطاع سليم أن يزيحه عن موقع ثاني أثرياء العالم، في إبريل الماضي، وهو الموقع الذي احتله بافيت لمدة سبع سنوات.

ومع ارتفاع سعر السهم في "أمريكا موفل" ــ كبرى شركات سليم ــ صار المكسيكي اللبناني الأصل "أغنى رجل في العالم" بفارق أكثر من 8.5 مليار دولار عن مهندس الب
رمجيات الأمريكي الشهير، بل جيتس (59.2 مليار دولار) الذي تربع على قمة هرم الأثرياء لمدة 13 عاماً.

أمضى سليم سنوات طويلة من العمل في المجال التجاري، منذ أن وصلت أسرة الحلو اللبنانية إلى المكسيك، مطلع القرن العشرين، فقد بدأ حياته المهنية في العمل بمحل "نجمة الشرق" لبيع مستلزمات الخياطة الذي كان يملكه والده في مكسيكو. درس الهندسة وحين حاز على شهادتها أسس شركة مقاولات، خلال الثمانينيات من القرن الماضي، وبعدها بفترة قصيرة أسس شركة تأمين.

وفي التسعينات انصرف إلى الاستثمار في مجال الاتصالات، عندما بدأ بشراء شركات تعاني من صعوبات مادية بأسعار منخفضة، ومساعدتها على النهوض. إلا أن صفقة شرائه شركة الاتصالات الوطنية المكسيكية "تليميكس" ــ التي باتت تسيطر على 90% من سوق خطوط الهواتف الأرضية في المكسيك ــ هي التي رفعته إلى مصاف أغنى الأثرياء.

وطيلة هذه الفترة اتهم سليم من قبل خصومه بالتواطؤ مع الرئيس المكسيكي، كارلوس ‏ساليناس، الذي يعد رمز الفساد في المجتمع المكسيكي. أما المنافسون في الخارج، فلم يتوقفوا عن ‏التذمر من "حالة شبه الاحتكار التي تتمتع بها شركة تلمكس في المكسيك".‏

وحسب تقديرات مجلة "فوربس" فإن دخل الحلو حالياً يمثل وحده 7% من إجمالي الدخل السنوي لدولة المكسيك، وهو ما يثير الجدل في هذا البلد لأن متوسط دخل الفرد فيها يبلغ 6800 دولار ‏سنوياً، ويعيش نحو نصف السكان تحت خط الفقر.

وأمام النقد الذي يوجه له، وعد كارلوس بتقديم 10 مليارات دولار لخدمات الصحة والتعليم في المكسيك، خلال الأربع سنوات القادمة، كما أنشأ مؤسسة لتقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية مولها بمبلغ 1.8 مليار دولار.

ويعرف عن الرجل عدم تردده في الضغط على الحكومة في حال حاولت تمرير أي قانون يزعجه بالبرلمان، إذ تتمتع شركات سليم بمكانة عالية في المكسيك وتشكل نصف مجمل رؤوس الأموال في بورصة مكسيكو سيتي.


"
كارلوس اسليم" كما يسمونه في المكسيك مولع باقتناء الأعمال الفنية، فهو يملك متحفا خاصا ‏اسماه "متحف سميا" بناه في وسط المراكز التجارية بمكسيكو وفيه نحو 120 منحوتة للفنان ‏الفرنسي اوغست رودان من بينها واحدة برونزية لتمثال "المفكر".‏

وقد بات "الملك ميداس" رقم صعب في أمريكا اللاتينية، رغم كونه ابن لمهاجرين عرب، كان جده قد وصل إلى مرفأ "تنبيكو" عام 1902 برفقة أبنائه الثلاثة، من جبل لبنان وانتقلوا عام 1911 إلى مدينة مكسيكو حيث أسّسوا متجراً لبيع المواد المنزلية، أطلقوا عليه اسم "نجمة الشرق".

وولد كارلوس في بداية العام 1940، خامساً في عائلة من ستة أولاد. أبوه جوليان سليم حداد، وأمه "ليندا حلو" فصار اسمه حسب التقليد الأسباني الذي يحفظ اسم الوالدين كارلوس سليم حلو.

ينقل كارلوس عن أبيه الذي توفي عام 1952، أن جده كان يشتري أراض وشققاً في مدينة مكسيكيو في عزّ الثورة، التي بدأت في العقد الثاني من القرن العشرين، فأخذ أبناء الجالية يحذرونه من الظرف الدقيق وكان يجيبهم : "بالعكس، إنه أحسن ظرف، الأسعار منخفضة والأراضي والشقق باقية في المكسيك، لن تغادرها".

ويمثل كارلوس سليم نموذجاً من رجال الأعمال اللاتينيين الذين يأبوا أن يخضعوا للهيمنة الأمريكية شكلاً ومضموناً. إذ يتحاشى التحدث بالإنجليزية، في المناسبات العامة، رغم أنه يتقنها. يقول عنه المقربون : إنه يمزج بين ذكاء لامع ومعرفة دقيقة بقوانين اللعبة، وأعصاب فولاذية. "يبيع أكثر من ألف كومبيوتر يومياً، وما زال يلجأ إلينا بواسطة الهاتف إذا كان يحتاج إلى معلومة يجهلها"، كما يقول أحد معاونيه، ولا يخشى اللجوء إلى نوع من الشوفينية التي تحتقر "مقلدي الأمريكيين"، وحتى إلى نوع من العائلية عندما تقتضي الحاجة.

عشية فض عروض مناقصة "تيلميكس"، جمع زوجته سميّة ضومط وأولادهما الستة وأقسموا معاً بأنهم، إن وُفقوا في مسعاهم، لن يبيعوا أسهمهم "قبل جيلين". وأعطى للشركة الأم في الكونسورتيوم إسم "كارسو" الذي هو مزيج من كارلوس وسميّة. وقد توفيت هذه الأخيرة بين يديه عام 1999 خلال رحلة طيران.

يتحاشى كارلوس سليم السياسة ويساير أسيادها. إلا أنه في السنوات الأخيرة، اقترب من، حاكم مدينة مكسيكو اليساري لوبيز أوبرادور، وأخذ يوجه انتقادات لاذعة لسياسة الرئيس فوكس الاقتصادية. و ينظم ندوات يدعو إليها رجال الأعمال لانتقاد سياسات الصندوق الدولي التي "أوصلت أمريكا اللاتينية إلى الإفلاس"، مقترحاً "نموذجاً بديلاً قائماً على النمو وخلق فرص العمل".

وعلى رغم شكوك البعض، ينفي سليم أن يكون لديه مشروع سياسي خاص، وأي توجه لأن يكون برلسكوني أو الحريري المكسيكي مبرراً ما يقوم به "بمجرد حبه للبلد وخوفه عليه".