خطابات الظواهري وملامح الطريق الثالث
بقلم/ عصام زيدان
نشر منذ: 12 سنة و 8 أشهر و 25 يوماً
الإثنين 09 يوليو-تموز 2007 08:02 ص

يشن الرجل الثاني في تنظيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري بين الحين والآخر هجومًا شرسًا على جماعة الإخوان المسلمين في مصر, وكذلك على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بجامع المشروع السياسي التغييري الذي يجمع الجماعة والحركة.

هذا المشروع السياسي للإصلاح الذي تقوم على أساسه عدة حركات تغييرية في العالم العربي والإسلامي كان محل انتقاد من قبل الظواهري, في شريطه الأخير الذي نقلته عدة وكالات منذ أيام, فهو في معتقده نوع من الانبطاح للمفاهيم الغربية متمثلة
في الديمقراطية, كما هي في مخيلته نوع من التفريط في الحاكمية والشريعة التي توجب منابذة الأنظمة وإسقاطها لإعلاء راية الشريعة والتمهيد للخلافة الإسلامية المغيبة منذ العام 1924.

خلاصة ما يردده الظواهري إذن في مجمل خطاباته يقوم على محورين أساسيين:

المحور الأول: أن حركات التغيير السلمي المتترسة خلف العمل السياسي متلبسة بالخطأ من ناحيتين:

الأول: أنها تفرط في الشريعة الغراء باتخاذها المفاهيم والمعتقدات الغربية سبيلاً للتغيير.

الثاني: أن هذا الطريق عقيم لا يمكن أن يسفر في نهايته عن شيء للأمة, وإنما هو من قبيل العبث وتضييع الأوقات.

المحور الثاني: أن الطريق الوحيد والسبيل القويم للوصول إلى الخلافة الراشدة لن يمر إلا بالتغيير القسري, وهذا على شقين:

الأول: استنزاف العدو البعيد المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية كونها تدعم تلك الأنظمة, وتساهم في إطالة عمرها.

الثاني: مجابهة العدو القريب بالعمل المسلح لغاية إسقاطه لمصلحة المشروع الإسلامي, وإقامة الخلافة الراشدة.

محاور رئيسة:

 لا نريد أن نخوض كثيرًا في التعرض لرأي الظواهري, ولكن قبل أن نعرض ما نسميه الطريق الثالث أو "هندسة المجتمعات" نريد أن نقف عند عدة محاور رئيسة نمهد لما نريد أن نطرحه في هذا الشأن.

أولاً: الإشارة أو الملاحظة الأولية في البداية كتمهيد.. هي أننا يجب ألا ننجر إلى ثنائية الاختيار المفروضة علينا.. وذلك مثل حوار الحضارات وصراع الحضارات.. الإصلاح بالسياسية أم الإصلاح بالعنف.. معارض للحكومات أو مهادن لها...

فهذا الحجر الفكري يقوض مناحي التفكير المختلفة, ويجمدها عند برهة من الزمن, ظهرت فيها مجموعة من الاجتهادات البشرية هي وليدة ساعتها وزمنها, وقد يعتريها ما يعترى الاجتهادات من ظهور قصور وعدم صلاحية للوقت والزمن الحالي.

ثانيًا: أن التغيير السلمي المستند إلى آليات سياسية صحيح أنه لم يتمكن حتى الآن من تحقيق نجاحات تمكنه من تغيير وجه الدولة والمجتمع إلى حيث الوجهة التي يريد, وذلك في أغلب الأحيان يكون ناجمًا عن تدخل السلطة الحاكمة بإجهاض المشروع من بدايته أو تتدخل في نهاية المطاف لإنهاء ما يمكن أن يحققه من نجاحات, ودليل ذلك تجربة حزب جبهة الإنقاذ في الجزائر عام 1991.

كما قد يكون التدخل من قبل القوى الخارجية النافذة على الساحة الدولية والتي تجد آذانًا مصغية من قبل السلطات الداخلية لإجهاض مثل هذه التجارب مثلما هو مشاهد في تجربة حركة حماس في فلسطين.

ثالثًا: كما أن التغيير المسيس قد فشل من منظور الرؤية الواقعية حتى الآن, فنفس الشيء يمكن أن يقال عن التغيير القسري العنيف, هو إلى الآن لم يسجل أية نجاحات تذكر من حيث الواقع, غير مناوشات جرت في التسعينيات على صعيد واسع في مصر وعدة دول أخرى ما زالت تواجه تلك الحركات العنيفة, ثم في الأخير تراجعت الجماعة الإسلامية عن خطها منذ عشر سنوات وتبعتها حركة الجهاد الإسلامي منذ بضعة أشهر أيضًا.

رابعًا: معظم حركات التغيير القائمة والسابقة إنما استندت في مسعاها التغييري إلى مجابهة الأنظمة الحاكمة, وفقط تغيرت آلية المواجهة, فهي آلية سياسية عند البعض كما هو عند جماعة الإخوان, فيما كان التعجل سمت الكيانات الأخرى التي أرادت حسم المعركة مبكرًا عن طريق السلاح, وهو مسعى القاعدة ومن دار في فلكها وانضوى تحت لوائها

فالفكر والتوجه, وإن اختلفت الآلية, يقوم في الأساس على ضرورة إزاحة السلطات الحاكمة لإيجاد سلطة أخرى تسوس المجتمع وتقوده إلى حيث الوجهة التي تريد.

خامسًا: هذه الحركات جمعها أيضًا, إضافة إلى ما سبق, جذر فكري واحد يعود إلى كتابات الأستاذ سيد قطب ـ رحمه الله ـ الداعي إلى ضرورة إيجاد فئة متمايزة عن المجتمع, "القاعدة الصلبة", التي تتحوصل وتتخندق في مقابلة المجتمع والسلطة الحاكمة لتنشئ هي بذاتها مجتمعًا جديدًا, يفترض أن يغير المجتمع القائم, عقيدة هذا المجتمع الصغير هي الحزبية والولاء للكيان الصغير والاستعلاء على الكيان المجتمعي الأكبر الذي يتوجب ـ حسب رؤيتها ـ أن ينصهر في ذاتها كي تتم الولادة المتعسرة ويتغير وجه المجتمع!!

سادسًا:دعاة التغيير السلمي من خلال الفاعليات السياسية وإن كان يدعو نظريًا إلى الشمولية في الإصلاح, والتوجه إلى المجتمعات إلى أن الدعوي والتربوي والإصلاحي انسحب لصالح السياسي, على نحو ما هو مشاهد, هذه واحدة.

والثانية أن الجهد التربوي في حقيقته يتوجه لفئة محددة, هي من انخرطت في التنظيم أو الجماعة أو الحزب, وليس لعموم المجتمع, حتى على المستوى الخطابي غلب الأسلوب الوعظي الترهيبي أو السياسي على غيرهما.

ثم ثالثًا, التربية في فكر تلك الجماعات يعني بالعموم الإلمام والمعرفة بمبادئ الجماعة ومرتكزاتها, على نحو ما هو قائم في تربية الأتباع في جماعة الإخوان على ما ورد في رسالة التعاليم للإمام البنا رحمه الله, والتي تمثل الثوابت الفكرية للجماعة, وفيها يقدم الإمام لرسالته بقوله: "...فهذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسمو دعوتهم، وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها، أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجه هذه الكلمات...".

الطريق الثالث.. هندسة المجتمعات:

ما قدمناه من محاور رئيسة إنما كنا نمهد به لما نسميه بالطريق الثالث أو "هندسة المجتمعات", والذي تتمايز خطوطه وتنابين ملامحه عن التغيير المسيس والمسلح, وان كانت أيضًا تلتقي في بعض التقاطعات والمحاور الأولية.

أولاً: خطوط الالتقاء:

1ـ الالتقاء الأول مع الحركات التغيرية القائمة تسند إلى النظر إلى الواقع التعيس الذي تعيش فيه الأمة, والذي يتوجب معه على كل غيور أن يحترق فكرًا وعملاً من أجل إنقاذ الأمة مما هي فيه, ويأخذ بيدها إلى طريق الريادة الذي احتلته عصبة من الأشرار ورعاة بقر لا يعرفون للقيم والأخلاق سبيلاً, وإنما كان سبيلهم شديد الوطأة على الأمة من مشرقها لمغربها, فاستباحوا منها كل عرض, وهتكوا لها كل مقدس.

2ـ الالتقاء الثاني في مرجعية التغيير الذي يجب أن يستند إلى هوية الأمة ودينها الإسلامي الحنيف, وذلك بعد طول تجارب ذاقت فيها الأمة الأمرين من اشتراكية ورأسمالية وغيرها من الأفكار الأرضية التي تنظر نظرة عوراء سقيمة إلى الواقع, فلا تزيده إلا سقمًا ومرضًا, يحسبها الظمآن ماءً.. وكأن الأمة باتت حقلاً للتجارب البشرية.

ثانيًا: الملامح المميزة للطريق الثالث:

تظهر ملامح هذا المنهج في النقاط والمحاور الآتية:

1ـ العلل والأسقام التي تعاني منها الأمة ليست وليدة اللحظة الراهنة, وإنما هي مستغرقة ومتشعبة وضاربة بجذورها في نفسية الفرد العربي والمسلم, تستمد معينها من مجتمع مضطرب في هويته, ومرتعش في مرجعيته, ومنهزم في حضارته.

فالمشكلة ليست في حقيقتها ـ بحسب رؤيتنا ـ مشكلة نظام قائم وسلطة حاكمة فحسب, وان كانت هذه بلا شك عرض للأمراض والأسقام وسببًا فيها في آن واحد, وإنما مشكلة مجتمعية وحضارية في الأساس والمقام الأول.

2ـ تأسيسًا على ما سبق, فان الإصلاح يجب أن يتوجه في البداية للمجتمع, بأسس علمية رصينة, يبحث مكمن الخلل وأسبابه, ولا يتوقف فقط عند أعراضه ومظاهره, ثم هو بعد يرسم الخريطة النفسية لهذا المجتمع المريض, يتلمس العلاج مازجًا بين روح العصر الحديث وقواعد الشرع الحنيف, لا يحيد عن ذلك العصر في تطوره, ولا يتغافل عن مقاصد الشرع وقواعده الثابتة, وما خطه منذ قديم الأزل علاجًا للمجتمعات السقيمة.

3ـ إصلاح المجتمع يحتاج إلى رؤية شمولية لا تركز على جانب فيما تعاني البقية الأخرى من الإهمال والتهميش, فهو إصلاح نبتغيه متكامل الأركان والأسس, تتضح ملامحه في ثلاثة جوانب رئيسة:

ـ إصلاح المنظومة الإيمانية:

ومن خلال هذه المنظومة يعود المجتمع ويتصالح مع دينه وربه, حيث تكون هذه العلاقة عاصمة من كثير الفساد الذي يذهب بالمجتمعات, وأساسًا متينًا تقوم عليه ركائز النهضة المحاطة والمشمولة بعناية الرب جل وعلا.

ـ إصلاح منظومة القيم والأخلاق:

وبها ينصلح حال أفراد المجتمع الواحد بحيث يقترب أو يكاد من النموذج الذي غير وجه التاريخ من قبل, وحول دفة وقيادة العالم من الفرس والروم إلى حيث لم يكن يتخيل أحد إلى بلاد العرب التي كانت محلاً للجهالة والصراعات الداخلية, فباتت محلاً لخير الأمم.

ـ إصلاح منظومة الفاعلية:

هذه المنظومة التي تستمد أصولها ونبعها مما سبقها من منظومتي الإيمان والأخلاق لتعلي من قيمة العمل, وتزحزح تلك السلبية التي غصت بها الأمة وعرقلت تقدمها دهرًا طويلاً, فجعلتها تقتات من موائد الأعداء حضارتها وفكرها قبل غذائها وطعامها.

4ـ هذا الإصلاح وإن قامت به عصبة تأخذ على عاتقها وكاهلها نهضة الأمة, فهي في طريقها لا تنسلخ عن مجتمعها لتبني عريشًا تنحاز إليه وطائفية تستند إليها, وحزبية تنطلق منها, وإنما هي عصبة حققت في ذاتها معاني الإصلاح, تنصهر برفق في المجتمع تربت على كتفه وتأخذ بيده إلى حيث المكان الصحيح لهذه الأمة, وحيث أراد الله عز وجل لها, أمة يتحقق على يديها الخير لكافة الأمم.