الإتفاق الإصلاحي الحوثي أبعاده السياسية والوطنية
بقلم/ علي بن ياسين البيضاني
نشر منذ: 6 سنوات و 7 أشهر و 23 يوماً
الأربعاء 03 ديسمبر-كانون الأول 2014 09:19 ص

كتبت في 11 نوفمبر من هذا الشهر موضوعًا صحفيًا بعنوان (التحالف الحوثي الإصلاحي المؤتمري ) بعد أن طلب مني صديق حميم الكتابة في " إمكانية الإتفاق بين هذه الأطراف المتصارعة الثلاثة " ، وترددت في نشره حتى لا أتهم من أي طرف بالترويج لهكذا مشروع ، وقد تم إرساله من قبلي لأحد المواقع بعد سماعي عن الإتفاق الأخير بين الإصلاح والحوثيين لكن لم ينشر بعد ، وتوصلت في خلاصته أن الإتفاق ممكن تحققه تحت مظلة اليمن أولاً ، ثم الحفاظ على البلاد والعباد ، وكذا الحفاظ على أفراد هذه الأطراف من الإقتتال ، ويكون ذلك الإتفاق ، تحالفًا أو تنسيقًا أو هدنة وغيرها ..
طالعت كثير من الإنتقادات ، وبالذات من بعض قيادات وقواعد حزب الإصلاح ، ووجدت أن المعارضين لمثل هذا الإتفاق لا تخلو انتقاداتهم من ربط الموضوع السياسي بالموضوع المذهبي ، أو ربطه بوقوع دماء بين الطرفين ، وهذا الربط في مثل هذه الإتفاقات غير مجدي فى الوقت الحالي باعتبار أن ذلك يقع ضمن منظومة العمل السياسي البحت ، والسياسة الشرعية مجالها واسع ..
أما إذا نظرنا إلى ذلك من ناحية شرعية فقهية ، فلا أظن أن ذلك غير جائز ، وفى قيادات الإصلاح من هم أفقه منا ، وأعلم بشرعيته ، وبالتأكيد أن مثل هذا القرار الكبير لن يمر على المؤسسات الشوروية دون إقرار ، وقد حصلت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم معاهدات سياسية ضمن الدولة الإسلامية مع أطراف يهودية فما بالك بالحوثيين الذين يختلف الإصلاح معهم من الناحية المذهبية .. أما الدماء التي سفكت فهي عظيمة عند الله ومُحْرِقَة لأهاليهم ، لكن ليس معنى ذلك أن الدماء مانع من وقوع هدنة في أي حرب ، أو حصول اتفاق سياسي ، فصلح الحديبية تم بختم رسول الله مع كفار قريش ، والدماء التي سفكت بين الطرفين كثيرة في بدر وأحد .. فما بالك بالحوثيين والإصلاحيين وهم مختلفين مذهبيًا ..
إن الإتفاق الأخير لا أظنه يكون إلا وفقًا لما طرحته آنفًا ( اليمن أولاً ) ، وليس لي فيما أكتب وجهة نظر حزبية ، لكن حبي لهذه البلاد يحتم عليَّ أن أتحدث بتجرّد ، كذلكم اعتقد اعتقادًا جازمًا أن كل من قلبه ذرة إيمان ووطنية ، يجب عليه أن يدفع لتحقيق هذا الهدف الكبير ، وهو إبعاد البلاد عن الحرب الطائفية ..
لكن السؤال المهم : ما هي أبعاد هذا الإتفاق من الناحية السياسية والوطنية ؟ وهل هو مناورة سياسية بين الطرفين ؟ ومن المستفيد من هكذا اتفاق ؟ ومن الدافع إليه ؟ ومن هي الجهة الخارجية التي وجهت به ، وما هي أهدافها ؟ هنا يجب أن نضع استفساراتنا المنطقية حتى نعلم أن هذا الإتفاق سيكون له أثره الخيري على البلاد والعباد أم لا ؟
نؤكد أن الحوثيين والإصلاح قوتين لهما وجود حقيقي فى الأرض اليمنية ، ولهما أنصار وثقل قبلي وشعبي ، ولهما تأثير عميق في توجيه دفة سفينة البلاد نحو الغرق أو بر الأمان ، ولأنهما كذلك أريد لهما وبتخطيط ماكر خارجي أن يقضي كل واحد منهم على الآخر باحتراب داخلي ، ثم تأتي قوة أخرى تكمل ما تبقى .. وكان لانسحاب الإصلاح من معركة المواجهة جاء لصالح تجنيب البلاد والعباد من فتنة طائفية ، فخسر الكثير ثمن تضحيته من أفراده وتواجده ومكانته بين الناس ، وتعنيف أعضائه لكن فى المقابل أدى ذلك إلى تجنيب تنظيمه ومناصريه المجازر ، وجنّب كذلك الحوثيين من خطر المواجهة .
صانعو المؤامرة الخارجية لم يقتنعوا بما آلت إليه الأمور حينها ، وتجنب البلاد من الوقوع في براثن الحرب الطائفية ، وأخذ بدفع الحوثيين مرة أخرى لإستثارة الإصلاح في كثير من المناطق ، والإصلاح يتجنّب المواجهة لعلمه المسبق بهذا الفخ ، ليلقى الحوثي بعد هذه المواجهات الكثير من الخسائر المادية والبشرية .. ولم يعِ ذلك إلا مؤخرًا أنه يخوض حرب استنزاف لقواه ومقدراته المادية والعسكرية .. وخسر كذلك الإسناد الشعبي في كثير من المناطق بفعل الأعمال المتهورة والطائشة واللأخلاقية ، مما أوجد لهم كراهية وعدم قبول في كثير من المناطق ، وتم التحشيد عليهم من كل الأطراف القبلية والسياسية تحت راية محاربة التمدد الشيعي ، أي أن القتال صار تحت راية الدفاع عن السنة ، فأدى ذلك إلى اشتراك تنظيم القاعدة في هذه المعارك ، وإيجاد حواضن قبلية لم تكن لتتحقق لهم ، لولا تلك الحرب المجنونة ..
وفي تقييم سريع لإمكانية حصول اتفاق بين الطرفين داخليًا وخارجيًا ، ؟ نقول مؤكدين أن هذا الإتفاق سيستفيد منه الطرفان ، وإلا ما كان له أن يتم ، فكل طرف أدرك حقيقة أنه لن يستطيع أن يقصي الآخر من المشهد السياسي تمامًا ، وأن الأقوياء يخافون على أنفسهم من الإنكسار ، وبالتالي يدركون أن الإتفاق أفضل وأولى من الإنكسار أو الإنهيار .. وقد طالب كثير من قيادات الحوثيين والإصلاحيين سابقًا بضرورة التوافق بينهما لتجنيب البلاد ويلات الحرب .
أما من حيث الموقف الإقليمي والدولي لرعاية مثل هذا الإتفاق ، فأظن أن هذا الإتفاق لن يكون وعلى وجه الخصوص من قبل الحوثيين إلا بموافقة ( إيران ) لكن ما هي مصلحتها ؟ ولذلك نرى أن إيران على ما يبدو حققت فى اليمن خلال الأشهر القريبة الماضية ما لم تحققه في سنوات ، فارتأت وهي الخبيرة ببواطن الأمور السياسية ، أن استمرار أنصارها فى التمادي بالبطش والتنكيل بالناس ، وبالأحزاب سيؤلب عليها الأعداء من كل جانب ، وسيصبح الحوثيون بين فكي كماشة ، وأعداؤهم من أبناء اليمن كثير ، وسيكوّنون جبهة عريضة للبطش بهم ، بالإضافة إلى أنهم رأوا أن السعودية تضغط على أمريكا وغيرها للسير في نسق البطش بالحوثيين لا محالة مهما طال الزمن ، وبأي طريقة لأنهم أصبحوا خطرًا عليها أكثر من خطرهم على اليمن ..
أما السعودية وبالتنسيق مع قطر ربما - لا نعلم إن كان هذا تم فعلًا - رأت أن من صالحها أن تدفع بهذا الإتفاق لتحقيق السلم والتوافق فى اليمن لأن استمرار التوتر العسكري والسياسي فى اليمن لن يحقق لها الإستقرار ، فلعلها دفعت بالإصلاح مباشرة أو عبر قطر بضرورة التوافق مع الحوثيين .
وفى الجانب الأمريكي أظن زيارة الأمير / متعب بن عبد الله عبد العزيز إلى أمريكا ، ومناقشته أوضاع المنطقة ومنها اليمن ، وخشيتهم من تمدد الحوثيين في أغلب مناطق اليمن ، والخوف من مآلات ذلك على مستقبل السعودية وأمنها ، وبالتالي يمكن أن ترعى أمريكا وتحت ضغط سعودي هذا الإتفاق .. رغم أنه من وجهة نظري القاصرة أن المخطط الأبعد هو إدخال الطرفين ( الإصلاح ، الحوثيين ) في معركة كسر العظم ، وإبراز الحوثيين كقوة مناهضة للسعودية فى المنطقة لتصبح أمريكا راعية حمايتها من أي عدوان إيراني مسقبلاً فتظل حاجتها إليها دائمة ..
لكن يظل هذا الإتفاق شكليًا ، رغم حملة المدافعين عنه والمعارضين له ، فهل يمكن أن يتحقق واقعًا ملموسًا ، وهل هذا الإتفاق سيوقف الأطماع المستمرة للتمدد الحوثي فى البلاد شرقًا وغربًا وجنوبًا ، وهل هذا الأمر سترعاه الدولة ؟ في حقيقة الأمر لن نصدِّق أن يتم الإتفاق حتى يذعن الحوثيون لتنفيذ اتفاقاتهم الملزمين بها في مخرجات الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة ، وسيظل الإصلاح - رغم غضب أنصاره وقياداته - إن تم هذا الإتفاق ، لن يكون خاسرًا البتة بل سيكون رابحًا منه بالتأكيد ، وإن لم يتم كذلك لن يخسر ، وبالتالي ليس لدى الإصلاح من خيار عدم القبول ، خصوصًا إذا ما علمنا أن الإصلاح كحزب لم يكن هو الذي دعا إلى مثل هذا الإتفاق ، بل كان مجيبًا لطرف ثالث للدخول في هذا الإتفاق ، فاعتبره مكسبًا سياسيًا في حال تنفيذ الإتفاق ، وإن لم يتم ذلك فلن يخسر ، وسيثبت للآخرين أنه لم يكن يرفض السلام والصلح ، وأنه حزب محنّك من الطراز الرفيع ، ويثبت أنه أكثر عقلانية ودراية ، مثل حزب العدالة التركي أو حركة النهضة التونسية ...
وحول قيام قيادة الإصلاح بالتوجه إلى صعدة لمقابلة عبد الملك الحوثي ووصفهم أن ذلك تنازلاً من قيادات الإصلاح لشخص عبد الملك الحوثي ، فهو بالفعل تنازلا لكن ليس لشخصه ، لكن لأجل الوطن مثل التنازلات السابقة ، والكل يعلم أن مثل هذه الإتفاقات لن يفصل فيها إلا عبد الملك الحوثي شخصيًا ، والآخرين تابعين له ، ونعلم كذلك أن اشتراط نزوله الى صنعاء أمر غير منطقي لشخص لم يغادر منطقته البتة .
أما الحوثيون فيبدو أن التيار العقلاني فيه ، دفع بقوة لإيجاد مثل هذا الإتفاق ، لأنهم قرأوا واقع البلاد سياسيًا ، ورأوا أن من صالحهم السير بتوافق مع كل القوى السياسية ، وأن الأعمال الشيطانية التي يرتكبها بعض قياداته العسكرية وأفراده تجعل الحوثيين يتآكلون من داخلهم ويخسرون شعبيًا ..
وفى الأخير نرى أن إيجاد مثل هذا الإتفاق سيؤدي إلى إطفاء نار الفتنة فى البلاد ، وتحقيق السلم الإجتماعي ، فالوضع الإقتصادي ينهار في وجود واستمرار مثل هذه الصراعات الدامية ، ولم يكن لأحد أن يحقق أي طرف من إنجاز على الأرض إلا الدمار والخراب ، وستكون الأحزاب والشعب اليمني بكامله في بوتقة الفتنة الطائفية الطاحنة ، جنب الله اليمن ويلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ..