رمضان كريم يا نواب الشعب
بقلم/ عبدالرحمن أنيس
نشر منذ: 10 سنوات و 6 أشهر و 17 يوماً
الأربعاء 11 أغسطس-آب 2010 02:50 ص
مع نشر هذا المقال يكون البرلمان اليمني (مجلس النواب) قد أنهى جلسات فترة انعقاده لينعم أعضاؤه بإجازة شهر رمضان، لكن الإجازة البرلمانية تأتي هذه المرة بعد أن أقر نواب الشعب ميزانية مجلسهم للعام المالي القادم 2011.
عشرة مليارات وثلاثمائة وسبعة وخمسون ريالاً هو الرقم الذي أوردته الأنباء الرسمية لميزانية البرلمان اليمني للعام القادم، وزادت الأنباء الرسمية بالقول إن استخدامات الميزانية زادت بـمبلغ (733) مليوناً عن العام الجاري لتحمل تكاليف بينها فوارق أسعار الدولار.

إلى ما قبل قيام دولة الوحدة المباركة في العام 90م لم يكن يحسب لعضو البرلمان في الشمال أو الجنوب أي مرتبات، ولم تكن الامتيازات المالية الممنوحة للبرلمان تفوق ما يتم إنفاقه على الصحة والتعليم والطرقات والتنمية على نحو ما هو عليه الآن، وهو ما يضع أكثر من علامة استفهام واستغراب حول النفقات الخيالية التي تصرف على البرلمان من أموال الشعب والتي تفوق المبالغ المصروفة على كثير من القطاعات الخدمية والإنمائية.
نواب الشعب الذين أنهوا مشروع ميزانيتهم في جلستين فقط الأولى كانت لاستعراض الموازنة وفي الجلسة الثانية صوتوا مباشرة على الميزانية وأقروها، قد وضعوا نصب أعينهم ارتفاع فوارق أسعار الدولار ولذلك فقد أضافوا مبلغ سبعمائة وثلاثة وثلاثين مليون ريال لميزانية مجلس النواب لهذا العام، في حين رفض رئيس المجلس يحيى الراعي مناقشة ارتفاع أسعار الدولار في إحدى جلسات البرلمان دون أي مبررات تذكر سوى أن نواب الشعب لا يهتمون بمعيشة ومعاناة ناخبيهم بعد أن غيروا مسار فكرة البرلمان من جهاز رقابي وتشريعي إلى مجلس تشريفي يغدق الملايين على أعضائه سعداء الحظ.
قد يستغرب المواطن المسكين أن عضو مجلس النواب اليمني يستلم سنوياً قرابة ثمانية ملايين ريال بمعدل حوالي ستمائة وستة وستين ألف ريال يتسلمها العضو البرلماني شهرياً منها مائة ألف ريال مكافأة مالية و (12) ألفا حوافز، و(50) ألفا بدل سكن، أما بدل الجلسات العامة والتي تعتبر من صميم عمل عضو مجلس النواب فتبلغ نحو (50) ألف ريال هذا عدا نفقات المحروقات وتذاكر السفر التي تصرف بإجمالي سنوي وبدل العلاج للخارج وبدل صيانة السيارات وبدل نزول اللجان الرقابية، ولا ينسى نواب الشعب دائماً أن يضعوا ميزانية لمرافقيهم بحوالي (45 ألف ريال) شهرياً، كما أن البرلمان وفق ميزانية 2007 يصرف (30) ألفا لكل نائب شهريا مقابل الاتصالات والمياه والإنارة, ولا نعلم كم قد زادت هذا العام؛ لأن البرلمان الذي يطالب الحكومة بالشفافية والوضوح قد عتم على وسائل الإعلام تفاصيل ميزانيته لهذا العام واكتفى بإيراد المبلغ الإجمالي وهو (عشرة مليارات ريال).
ومن المفارقات أن مجلس النواب يحدد لأعضائه قرابة (50) ألفاً شهريا معتمدة لمكتب النائب في دائرته الانتخابية وهذا المبلغ حسب ميزانية 2007 أيضاً وهي بلا شك قد زادت هذا العام؛ لأن بيان البرلمان حدد أنه تم احتساب فوارق أسعار الدولار هذا العام، في حين أننا لا نرى مكاتب للنواب في دوائرهم الانتخابية إلا فيما ندر، وفي محافظة عدن على سبيل المثال لم يلتزم بهذا سوى ثلاثة نواب فقط من أصل عشرة, فمن سيحاسب البقية؟؟.
عجيب أمر البرلمان اليمني الذي تصرف عليه المليارات باسم الديمقراطية، فهذا المجلس الذي يفترض به تعزيز الديمقراطية وممارسة الرقابة والتشريع وسن القوانين يهدد رئيسه أحد الأعضاء بسحبه (على مناخيره) حتى البوابة بسبب أن اسم رئيس المجلس جاء ضمن كشف ناهبي أراضي الحديدة، في حين يعتدي برلماني من صنعاء على برلماني من الحديدة تحت قبة البرلمان فتنسحب كتلة محافظة الحديدة من البرلمان ولا تعود إلا بعد التحكيم والتهجير!!.. فكيف يكون حال الديمقراطية وسيادة القانون حينما يكون عضو البرلمان المشرع للقوانين هو من يقوم بالتحكيم والتهجير وذبح الثيران؟, وكيف يكون حال سيادة القانون عندما يكون أعضاء في المجلس الذي يشرعه يجمعون التوقيعات ويمارسون دعاوى "الحسبة" ولا يعطون للقانون الذي يسنونه أي اعتبار أو تقدير.
لقد أثبت البرلمان اليمني أنه ظاهرة صوتية ليس إلا، وأثبت النواب أنهم عاجزون عن توفير حياة معيشية آمنة لناخبيهم, لكنهم بالمقابل أثبتوا قدرتهم على توفير حياة معيشية هانئة لهم ولأسرهم عبر الميزانيات الخرافية التي يقروها لمجلسهم والتي تفوق ميزانيات مشاريع هي الأولى بهذا التمويل الكبير.. فلتذهب الديمقراطية وليذهب البرلمان إلى الجحيم إذا كان مجرد ظاهرة صوتية مزعجة على حساب معيشة الشعب والوطن وتنميته وبنائه. والله من وراء القصد.