سلطة رام الله في مواجهة مواطنها المفترض ناصر أبو الهيجاء"!
بقلم/ علي عبدالملك الشيباني
نشر منذ: 11 سنة و 7 أشهر و 5 أيام
السبت 16 أكتوبر-تشرين الأول 2010 03:09 م

لا يقود الحديث عن قيمة وحرية الإنسان في العالم المحترم ومقارنته بأحوالنا إلى تقديم أية حقيقة جديدة ومدهشة، قدر تذكيرنا المستمر بكرامتنا وحقوقنا المهدرة، من حيث كون شعوب تلك البلدان التي استطاعت النفاذ إلى أقطار السماوات والأرض، بسلطان العلم والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، يمكن لمواطنها التعبير عن مواقفه الرافضة لسياسات بلاده الداخلية والخارجية بكل الوسائل السلمية، دون خوف جهاز أمني أو قلق على لقمة العيش، وكيف أن بعضهم قد يذهب إلى أبعد مما نعرفه من أشكال التعبير التقليدية مع اطمئنانه المسبق أنه لن يعامل خارج إطار القانون.

في هذا الصدد أتذكر خبراً ولقطة تلفزيونية لشابة أوروبية وهي تتقدم نحو رئيس وزراء بلدها أثناء إلقائه محاضرة، وقذفه بـ"تورتة" كانت تحملها، لم يبدِ المسؤول أي رد فعل، حتى إنه لم يقيم بإزالة التورتة العالقة على وجهه، أما حراسه فلم يتجاوزوا القبض عليها واقتيادها بكل لطف إلى خارج القاعة، بينما هي مستمرة في توجيه الشتائم والعبارات النابية. لنتخيل شابة يمنية تُقدم على نفس التصرف تجاه مدير قسم الجديري مثلاً، وماذا سيكون عليه مصيرها!

كذلك هو الحال عند تناول أوضاعنا المخزية، إذ لا جديد يمكن إضافته بالنسبة لبلدان ما زالت شعوبها متطفلة على أقطار السماوات والأرض، بسبب مشاريع حكام قضوا عشرات السنين على كراسي الحكم، لم ينجزوا خلالها غير كتاب أخضر وميثاق "وطني"، وطابور من طوال العمر المهتمين بأعضائهم التناسلية.

هنا حيث كل شيء رخيص، وفي المقدمة الإنسان، يكفي أن تقول رأياً أو تسطر مقالة لتصبح هدفاً دائماً لأجهزة الأمن.

في بلادنا العربية حيث يحكم فوارس العرب وصقور الجزيرة وفحول المعارك الليلية، لا يوجد ما يمنع رئيس الدولة من توجيه أجهزته الأمنية بالإعداد لكم عملية تفجير يذهب ضحيتها عشرات الأبرياء، تسبق رحلة تسوله الرسمي خارج البلاد، وإن حياة المئات في شارع يمر به موكب سيارته أو أي من مسؤوليه، مرهونة بصوت "طماش" اعتقاداً بوجود محاولة اغتيال.

المقارنات شتى، قاسية ومؤلمة، غير أنها تغدو أكثر قسوة وإيلاماً عندما تشمل سلطة، هي بمعايير الفقه السياسي والاجتماعي للدولة، لا تعدو عن كونها مجرد إدارة ناحية، وكمان تحت الاحتلال. مع ذلك، وتأكيداً لانتمائها العربي، ارتبط قيام سلطة رام الله بتشكيل العشرات من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والمئات من المسؤولين المستشارين والمسؤولين الرسميين، وحكومة يتجاوز عدد أعضائها أية حكومة في دولة اسكندنافية.

يتبارى مسؤولوها بنهج كل ما هو سيئ من السياسات، ويتقاسمون مع الأنظمة العربية ابتكار ما يهدر كرامة الإنسان ونهب الثروات. ارتبطوا باكراً بكل أشكال الفساد المالي والسياسي، وحتى الأخلاقي، وارتكاب ما يمكن تخيله من أساليب قهر وتنكيل مواطنيهم لمجرد الرأي المخالف والانتماء السياسي، حتى إنهم لم يبقوا شيئا للعدو الإسرائيلي ليتفرد بممارسته، بل هم أرحم وأكثر شفقة.

ثمة الكثير مما يدعو للسخرية في عمل وأداء هؤلاء:

رئيس السلطة وهو يتصرف ويتحدث أشبه برؤساء الدول العظمى.

رئيس شرطته حين يظهر متكلفاً ببزته العسكرية ورتبته ونظارته السوداء، ووجه "مبحشم" لكأنه وزير دفاع قوة إقليمية.

مسؤولي السلطة حين يظهرون على شاشات التلفزيون وهم يبتذلون الكلام بحماس منقطع النظير عن الشرعية والنظام والقانون والدستور، ويسهبون في الاستشهاد بما قاله الرئيس.

غير أن الأكثر سخرية أن يقف رئيس وزراء السلطة عند حاجز إسرائيلي ولا يُسمح له بالمرور إلا عندما يفرغ الجندي الإسرائيلي من ترتيب حذائه وعلى أقل من مهله، بينما هو في لحظات الانتظار يفكر بمن يمكن إيذاؤه، وبكيفية الاستحواذ على المساعدات الدولية القادمة. ويبدو أن المواطن الفلسطيني ناصر أبو الهيجاء واحد من ضحايا لحظات الانتظار عند أحد المعابر الإسرائيلية.

أبو الهيجاء من مواليد العراق، غادره العام 2002 متوجهاً إلى سوريا ثم إلى اليمن، واستقر فيها حيث يقول إن اليمن أكثر حرية ويسهل التعايش مع مواطنيها. مذاك يعمل مدرساً معاراً وموجهاً لمادة اللغة الإنجليزية، وهو كاتب صحفي في عدد من الصحف اليمنية والفلسطينية الصادرة بصنعاء. بسبب كتاباته المعارضة لنهج سلطة رام الله تعرض أبو الهيجاء لكثير من أساليب التنكيل.

قبل سنوات احتجز جوازه لدى سفارة سلطة رام الله، وأفرج عنه بواسطة احد الشخصيات الفلسطينية، ولم يتبقَّ على انتهاء الإقامة سوى سنة واحدة.

حالياً ألغيت إعارته رسمياً، وترفض السفارة منذ أشهر تجديد جوازه، وبالتالي لا يستطيع العمل.

أثناء مراجعته للسفارة يرد عليه السفير أنه ينفذ توجيهات السلطة المفترض أنها منشغلة بقضايا أخرى، ومؤخراً تفتق ذكاء السفير بطلب شهادة الميلاد، بينما معظم العاملين في السفارة يحملون جوازات سفر دبلوماسية أردنية.

لم يتوقف التنكيل بالرجل عند هذا الحد، بل ذهب سفير السلطة إلى نقابة الصحفيين اليمنيين راجياً إياهم عدم التجاوب معه بالتضامن أو الاحتجاج، ليس هذا فحسب، بل تصوروا قيام أحد العاملين بالسفارة بالذهاب إلى ملاك المنزل الذي يستأجره أبو الهيجاء، وإشعارهم بأنه لم يُعر ولا يتسلم أي رواتب، ويحرضهم على طرده من البيت.

أبو الهيجاء لا يطالب بأكثر من حقه في تجديد جوازه علّ ذلك يساعده في إيجاد عمل في مدرسة خاصة يستطيع بعائداته توفير أبسط متطلبات الحياة له ولأسرته.

لا غرابة في الأمر، فتعيين الدبلوماسي العربي واختياره يتم بعيداً عن كل الشروط المفترض توافرها لشغل هذه الوظيفة، وارتبطت بالعلاقة الأمنية والقرابة والوساطة والانحدار الأسري، ويتم التعامل معها على أنها هبة لتحسين الوضع وتغيير الجو.

عرف كل من درس في الاتحاد السوفيتي مثلاً، أن سفارتنا بموسكو وبطاقمها الكبير، أن عملها لم يكن يتجاوز إقامة الحفلات الباذخة في المناسبات الوطنية، والتي كان يخرج منها بعضهم محمولين على الأكتاف من شدة السكر، ولا عمل لهم سوى الاستحواذ على مخصصات السفارة وميزانية تشغيلها، والاتجار بمخصصات الطلبة التي كانت تتأخر نتيجة لهذا السبب. كذلك متابعة الطلاب المعروفين بمواقفهم المعارضة للسلطة، حد الطلب من الجامعات السوفيتية والتحريض على طردهم. لا أقول هذا تجنياً، بل سر لي عميد الطلبة الأجانب في الجامعة التي كنت أدرس فيها بوجود مثل هذا الطلب يخصني شخصياً.

معظم العاملين في السفارة عُرفوا كصرافي عملة سوق سوداء، وجلهم تجار شنطة، وكانت الأجهزة السوفيتية المختصة على علم كامل بهذا السلوك المتعارض مع طبيعة العمل الدبلوماسي.

ولأن الأعراف الدبلوماسية تمنع تفتيشهم، كانت المخابرات السوفيتية تصطادهم بطرق مختلفة وذكية، كأن تقوم بتكليف أحد عملائها بافتعال حادث مروري أثناء توجههم إلى مطار في رحلة عودتهم إلى صنعاء، وبالتنسيق يحضر رجال الـ"كي جي بي"، ويقومون بتفتيش السيارة ليجدوا في حقائبهم ما خف وزنه وغلا ثمنه.

Alshaibani51@gmail.com