الوطن والوحدة في وعي المتصارعين
بقلم/ د.فيصل الحذيفي
نشر منذ: 10 سنوات و 6 أشهر و 29 يوماً
الثلاثاء 12 مايو 2009 06:55 م

أولا: ما يخص السلطة

إن السلطة تدعو المواطنين إلى الإخلاص والتفاني من اجل الوطن ليس حبا في الوطن ولكن لأنها تعتبر نفسها هي الوطن فهي المقصود بمطلب الغزل الوطني ، والدليل على ذلك أن السلطة لم تقدم لنا ما يثبت حبها هي للوطن وما يمكن أن تقدمه هي من أجل الوطن ، علما بأن السلطة تصادر الوطن لنفسها باعتباره ملكية خالصة ودائمة لا ملمح قريب منها إلى التنازل أو الشراكة أو التفريط بهذه الملكية لأحد. مع أن الدستور ينص على أن الشعب هو مالك السلطة ومصدرها( م4) غير أن الواقع يثبت أن الشعب مملوك للسلطة ملكا ثابتا غير قابل للتداول.

إن السلطة عندما تتحدث عن الوطن فهي تقصد ذاتها باعتبار أنها هي الوطن والدولة والوحدة ، وبالتالي فإن رفع الصوت بالهتافات بالروح بالدم نفديك يازعيم هو تأكيد على تمثل الاندماج الحاصل بين السلطة والوطن باعتبارهما شيء واحد، وهنا لا بد أن يستقر الوعي لدى الأمة والسلطة على السواء بأن الحاكم هو صاحب وظيفة مؤقتة لا بد أن يترك هذه الوظيفة لآخرين كما ينص الدستور بأن السلطة للأمة وليس للحاكم .

إن السلطة – حاليا - غير مستعدة للاعتراف بأخطائها كما أنها ليست مستعدة لإرجاع السلطة للأمة وهي ليست على استعداد للتضحية من أجل الوطن ولو بمثقال ذرة ، والمطلوب من السلطة عدم رفع شعار الدفاع عن الوحدة لأن هذا التصرف ينفر الآخرين الرافضين للسلطة فيرفضون معها الوحدة وهم يسعون إلى الهدم انتقاما فاجرا في تصفية حساباتهم مع السلطة على حساب الوطن.

سيكون مجديا أن يترك أمر الدفاع عن الوحدة إلى المجتمع بكل فئاته، وحينما تمنع السلطة حرية الرأي ومنع الصحافة عن الصدور وملاحقة الصحفيين إنما تحتكر لنفسها حق الوصاية على الوحدة والوطن وهذا مآله الفشل السريع، إنها بهذا السلوك القمعي تمنع أصحاب الحق وهم المواطنين بالدفاع عن الوطن برؤيتهم المتضادة لرؤية السلطة المنحشرة في جحر الاستبداد .

انهيار مصيري : ينزع الخطاب السياسي الرسمي إلى الربط المصيري بين شخوص السلطة والوحدة والدولة والأمة، وهذا الربط يؤدي إلى الانهيار السياسي للدولة والسلطة في آن ، فحين ربط صدام حسين مصير العراق بمصيره، لم يكن بالإمكان التخلص من صدام حسين فقط دون الإضرار بالدولة العراقية، فكانت النتيجة انهيارهما معا. وينتج عن هذا الربط في حالة رفض الناس السلطة فإنها تـُقرأ سياسيا على أنها رفض للدولة والشرعية، حينما استقر في وعي السلطة أنها هي الدولة هي الوحدة هي الأمة .

وهم منجزات السلطة: إن شخوص السلطة ومراكز القوى المهيمنة على مقدرات البلاد والعباد يتوهمون أن المجتمع في نعمة لا يحسد عليها أحد انطلاقا من وضعيتهم الخاصة المنعمين بها، فيظنون أن بقية الناس مشابها لوضعهم، ربما لأنهم لا يصلون في المساجد ليرو تدافع الشحاتين على الصف الأول لإلقاء خطبة الاستجداء وعرض مصائبهم على الناس خمس مرات يوميا، وولي الأمر المسؤول عنهم لا يعيرهم اهتماما. ولأن بيوتهم وسياراتهم وممتلكاتهم محروسة بالجنود البواسل فلا يتعرضون للسرقات والاعتداءات والإجرام المتصاعد لسد الاحتياجات،. ولأنهم لا يمشون في شوارع المدن فلا يتعرض أبناءهم للاختطافات ولا يرون بأم أعينهم من ينبش براميل القمامات ليجد فيها رزقه اليومي، ولا يقرؤون الصحافة ليسمعوا باسترقاق الأطفال وتسربهم من المدارس وتهريبهم عبر الحدود. ولأن حصصهم المالية ومرتباتهم الشهرية ومكافآتهم تصلهم عبر مراسليهم إلى بيوتهم لا يدركون عبث مدراء المالية وهبر مدراء الصناديق وعدم صرف طبيعة العمل منذ 2006 لمجاميع من المعلمين وكذلك تأخر تنفيذ مراحل الاستراتيجة لغيرهم، وعدم شمول مراحلها القديمة لبعض الموظفين منذ 2007 وأن من يحملون شهادات جامعية لم تسوى وضعياتهم ولازالوا يتقاضون رواتبهم منذ توظيفهم بمؤهل الثانوية، وأن مخرجات جامعية متزايدة من الشباب عاطلين لاعمل لهم. وإذا كانوا يعلمون: فمن هو المسؤول عن الشحاتين والسرق والفساد والفوضى والجوع والفقر والخراب المنتشر؟.

رفض الواقع : لا بد أن يترسخ في قناعة السلطة المنكرة للوقائع الاجتماعية البئيسة ولو بشكل غير معلن، الإقرار بأن اليمن تجتاحها أزمات وليس أزمة وعلى رأسها الحراك الجنوبي ، ووضع صعدة ، ومحافظات التمرد القبلي (مارب شبوة الجوف) والأزمة الاقتصادية ، والقاعدة ، وقضايا أخرى لا تقل خطرا عن سابقتها بسبب اتساعها مثل تدهور التعليم والصحة والأجور وتصاعد التهريب المنظم، وتدخل دول الجوار في الشأن اليمني، والقرصنة الصومالية .

وإذا لم نحافظ على الوحدة الآن فإن الانفصال آت لا وحدة بعده ، إن الحفاظ على الوحدة لا يتأتى من شحذ الآلة الإعلامية الحكومية لاستجداء التصريحات والمواقف الجنوبية لبعض الموالين هنا وهناك بأنهم مع الوحدة، أو استجداء المواقف الدولية في دعم الوحدة فهذه جعجعة لا تنتج طحينا. إن مصير الوحدة رهن بإجراء أي انتخابات أو استفتاء في المستقبل القريب. فكيف ستكون عليها الصورة إذا امتنع أهل الجنوب من المشاركة السلمية أو الانتفاض العنيف.

المعالجات المطلوبة والملحة: فالمطلوب اليوم البداية الفعلية والمستعجلة مع كافة القوى السياسية والمجتمعية والنخبة للاتجاه نحو إعادة بناء دولة الوحدة ، ضمن الخطوات التالية:

- الاتفاق على إقرار تقسيم إداري للدولة يفضي إلى الفدرالية أو الحكم المحلي الفعلي ولا يفضي إلى الانفصال ، ونحن نقترح في هذا السياق إن تقسم اليمن إلى أربع ولايات :

1- ولاية الساحل وتشمل حجة والحديدة وتعز ولحج وأبين وعدن.

2- ولاية الداخل وتشمل كل من صعدة ومارب والجوف وشبوة والضالع والبيضاء.

3- ولاية الوسط وتشمل إب وذمار وريمة وصنعاء وعمران والمحويت.

4- ولاية الشرق وتشمل حضرموت والمهرة وسوقطرى، ويكون لكل ولاية سلطات ثلاث وانتخابات محلية كاملة.

- صياغة دستور لليمن يحظى بالرضا الاجتماعي، وإقرار نظام سياسي يقوم على سلطات مركزية مع المراعات لسلطات الحكم المحلي وهذا يقتضي انتخاب مجلس أمة يتشكل من غرفتين أحدهما يمثل مجلس الولايات والآخر مجلس النواب ، واعتماد نظام انتخابي يتوافق عليه الجميع، وإجراء انتخابات نزيهة وشفافة تسمح للأمة باختيار ممثليها هي وليس حلفاء السلطة، وإتباع سياسة تقوم على الشفافية والمساءلة من خلال تعزيز دور القضاء، وإبداء حسن النية أمام جميع الأطراف دون وصفهم بأوصاف التحقير والإقصاء تدفعهم للتطرف والأذى للذات والمجتمع.

- ترميم الثقة بين السلطة والمجتمع – شمالا وجنوبا – ليس بصرف الأموال والسيارات للمنتفضين وإنما من خلال رد الحقوق إلى أهلها من أراضي وأموال وإعادة بناء الدولة على أساس ديمقراطي حقيقي يؤول إلى تغيير شخوص السلطة وتسليم الأمر إلى أهله وهو الشعب ، وتثبيت دولة القانون، عند ذاك فقط ستزول الكراهية ومظاهر الاحتجاج وسينظر الجميع إلى الوحدة باعتبارها مكسبا سيحرص الجميع على بقائه، ومنجزا تاريخيا تحقق ذات يوم على حين غـرة لا ندم فيه على عكس ما يطرحه العطاس باعتبار أن طريق الوحدة كان خطأ ، الخطأ فقط هو في انحراف السياسات عن مقاصدها وسوء استعمال السلطة لخدمة الفرد بدلا من خدمة الأمة وحماية الوحدة.

- الإقرار السلمي للمعالجات : إن الخيار السلمي يقتضي تعزيز خيار « الوحدة السلمية» وهذا لن يتم بغير الديمقراطية الحقة والانتخابات النزيهة والشفافة باعتبارها المخرج الأوحد من كل هذه الأزمات المعقدة والتي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم ، والقناعة بتسليم السلطة نزولا عند قناعات الناس المتجسدة بنتائج الانتخابات، أما الخيار المقابل وهو الحسم العسكري والأمني فليست نتائجه مضمونة لأي من السلطة أو الوحدة أو الدولة ، إن اليمن ستعود في حالة اندلاع شرارة العنف والتمرد إلى دويلات متعددة. (فما يحسب لصدام حسين أنه رفع العراق شأوا كبيرا وما يحسب عليه إنه أسقط العراق قعرا عميقا ، فهل من متعظ ؟).

ثانيا: ما يخص الحراك الجنوبي

إن الرافعين لمطلب الانفصال يختزلون مشاكل الوطن بمشاكلهم الخاصة وكأن الآخرين يعيشون بحبوحة من العيش الرغيد ونحن نضع بين أيديهم بعض التساؤلات :

ماذا لو كانت السلطة بيد أهلنا في الجنوب هل سيقبلون بالانفصال ؟ هل سيأخذون نصيبهم من الوطن ويتركون الباقي لأهله ؟.

ماذا لو كان المنتصرون في حرب 94 هم الجنوبيون وليس الشماليين هل كانوا سينـتـقـلون لحكم الجنوب فقط ويتركون الشمال في حاله أم سيسعون لحكم اليمن شماله وجنوبه ؟ وهل عـندما يحكمون كل اليمن هل سيقبلون بالانفصال إذا طلبه أهل الشمال تحت أي ذريعة ؟ هل سينظرون للوحدة كمنجز وطني أم خطأ تاريخي ينبغي إصلاحه بالفيدرالية أو الكونفدرالية أو بالانفصال ؟.

ماذا لو وجدت سلطة تقيم العدالة ويشعر الناس بالرضا في ظل حكمها وحكم محلي كامل الصلاحيات بالطرق الديمقراطية هل سيطرح عندئذ مطلب الانفصال؟ .

إذا فمطلب الانفصال – آنيا – هو تعبير عن الرفض والتمرد في وجه سلطة تهالكت شرعيتها من وجهة نظر المجتمع ومعارضيها خصوصا، وهذا يعني أن على السلطة أن تجدد الشرعية بطرق سلمية تقنع الناس بعدالة حكمها ومصداقية خطابها وجديتها في تحقيق المساواة والعدل بين الناس وضمان الأمن والسلم الاجتماعي والعيش الكريم لجميع المواطنين.

ينبغي على الحراك الجنوبي أن يعمل وفق شعارين : الأول : النضال السلمي ، والثاني : النضال في سياق إصلاح الوطن بكامله، لأن التدثر بالانفصال وإن وجد تشجيعا إقليميا لغرض إضعاف اليمن شماله وجنوبه فإن انعكاساته العاجلة وليست الآجلة ستكون مدخلا لهزيمة الوطن بكل تمثلاته وسيكتوي الجميع بناره بما فيهم الداعون للانفصال.

إن الإقرار بالأخطاء السياسية للسلطة لا يبرر لأحد رفض الوحدة والدعوة إلى الانفصال إن ذلك قفز على معطيات التاريخ والجغرافيا ، فالبديل هو تحديث الدولة وإصلاح النظام السياسي وتغيير السلطة، عند كل دورة انتخابية ، إن التطرف في خطاب السلطة عبر إنكار الأزمة السياسية يقابله تطرف لدى الآخر في الانفصال والاستقلال من الاحتلال المزعوم، الاستقلال من حكم اليمني لليمن ، إنه خطاب اللامنطق وخطاب أعجز من أن يؤدي إلى نتيجة لليمن أو الأفراد . أنا شخصيا أرحب بكل يمني جنوبي أن يحكمني إلى يوم القيامة لأنه يمني وليس محتلا ، نريد أن يحتكم الجميع إلى الديمقراطية كخيار لحل المعضلات، وهنيئا لكل من يفوز بالسلطة .

 إن غضب الجنوبيين لن ينطفئ إلا بأخذ حقوقهم ممن ظلمهم ولهم كامل الحق في هذا ، لكن هذه الحقوق سرعان ما تتلاشى في دهاليز مطلب الانفصال وتفقد شرعيتها، ومن لم يدرك هذه الخيارات فهو مخطئ في فهمه لمسرح الأحداث وتوجهها .

إن صمت أحزاب المشترك والمجتمع بكل فئاته سيضفي شرعية الفعل السياسي على هذا التمرد الاجتماعي وليس الجنوبي لأن لا أحد يضمن أن يظل التمرد جنوبيا. فمن يعلم ؟ فقد يتسع لهيـبه شمالا وصعدة تتأهب الفرصة للانقضاض والاستقلال أيضا، من المهم أن ندرك أن أطرافا إقليمية لها ثأر مع وحدة اليمن وتسعى سرا وعلنا إلى تمويل تشتيت اليمنيين إلى دويلات وإلى صوملة اليمن على حين غفلة من ضعف السلطة وفساد أدائها. إن طرفا واحدا لا يتحمل المسؤولية منفردا ، فالسلطة والأحزاب والحراك الجنوبي ، والحوثييون، ومنظمات المجتمع المدني ، كلها أطراف تتحمل نصيبا من المآل السياسي الذي ينتظر الجميع ولا يشك أحدا أنه سيكون كارثيا إذا ما اتجه نحو انفراط العقد الاجتماعي .

hodaifah@yahoo.com