قوة الوهن: لماذا تأخر سقوط مملكة الصالح
بقلم/ د: فؤاد البناء
نشر منذ: 8 سنوات و 6 أشهر و 22 يوماً
الأربعاء 23 مارس - آذار 2011 04:45 م

لو عدنا إلى الوراء أربعة أشهر وقرأنا واقع الأنظمة في معظم البلدان العربية ، ولا سيما في تونس ومصر وليبيا واليمن ، لمعرفة نقاط القوة ومساحات الضعف والوهن ، من خلال قراءة موضوعية منصفة ، لما اختلف اثنان حول أن نظام علي عبدالله صالح هو أضعفها ، وأنه أقربها إلى السقوط ، وأنه لا يحتاج إلا إلى قليل من الجهد السلمي وهو سيتداعي من كل نواحيه ، حيث تمتلئ جُدُره بالثقوب ، وتكتظ أساساته بالفراغات ، وتهتز أراضيه تحت تأثير عدد من الزلازل والبراكين ، التي أوقعتها قنابل موقوتة أكثرها من صنعه ، أي من نتائج وآثار استراتيجية (إدارة البلد بالأزمات) خوفاً من (رؤوس الثعابين) فلماذا تداعى نظاما مبارك وبن علي بسرعة ، بينما ما زال نظام صالح يقاوم أكثر ؟

وإذا كانت جهات دولية إقليمية قد جعلت تظام صالح ضمن دائرة الأنظمة الفاشلة الشبيهة ببيت العنكبوت ، فما الذي يمنع من تداعيه السريع أمام جموع من ملايين المحتشدين لإسقاطه في كافة مدن اليمن ومحافظاته ؟

لا شك أن هناك عوامل قوة رغم هذا الوهن الظاهر ، سنعرج عليها في هذه المقالة ، وسيركز كاتب هذه السطور على أهمها ، مرتباً إياها حسب دورها في تأخير هذا السقوط :

أولاً : قوة (كوابح ) المعارضة :

على عكس من تونس ، ومصر إلى حد ما ، توجد في اليمن معارضة قوية ، إذ تمتلك الكثير من نقاط القوة على المستويين الأفقي والراسي .

فعلى المستوى الأفقي تتواجد هذه المعارضة في كافة محافظات الجمهورية ، وفي سائر قطاعات الشعب ، وتتمدد وسط سائر التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية .

وعلى المستوى الرأسي تمتلك هذه المعارضة تجربة ثرية في الحكم وخبرة متراكمة في إدارة الصراعات ، مما مكنها من الوصول إلى محطة واحدة ، والوقوف تحت سقف واحد من المشتركات الدينية والوطنية ، وتُوج ذلك بإعلان جميع الفصائل الحية في تيارات اليسار واليمين والوسط انضوائها تحت راية (اللقاء المشترك) حيث اعتمد على ثقافة التعاون في المتفق عليه والتسامح في المختلف حوله .

وحتى لا أبخس الحكام أشياءهم ، فإن من لوازم الموضوعية الاعتراف بأن السلطة بسياستها العنكبوتية وحماقاتها السياسية لعبت دوراً مشهوداً في هدم السدود بين هذه الأطراف ، وإذابة مساحيق القبح المتخيلة بين هذه الأطراف ، بسبب سياسات السلطة أيضاً التي اتكأت بصورة فاضحة على سياسة (فرِّق تسد) ثم بسبب ثقافة التوجس وسوء الظن والتفسير التآمري لكل شيء ! .

ومهما يكن الأمر ، فإن المعارضة اليمنية أصبحت قوة ضاربة ، ولا سيما التجمع اليمني للإصلاح الذي ينضوي تحت رايته الكثير من أصحاب المعارف والتخصصات ، بجانب الكم الأكبر من الشباب المتطلع بقوة إلى صناعة الحياة وارتياد المستقبل بكفاءة تليق بهم كأصحاب فاعليات مؤثرة ، وتليق ببلدهم الضارب بعراقته وأمجاده نحو أعماق التاريخ ، عندما كان اليمن سعيداً ، حتى استحق ثناء المولى عزوجل عتدما قال {بلدة طيبة ورب غفور} .

هذه القوة ، مكنت المعارضة من التحكم بالشارع الذي كانت كل الأوضاع تدفع به نحو الانفجار في مواجهة السلطة ، وقد انفجر بالفعل في المساحات التي ضعف فيها تأثير المعارضة ، بسبب تكتيكات الغباء السلطوي ، وقد أثمر هذا التفجر ثلاث ظواهر شابها العنف في مواجهة عنف السلطة ، وهي الحوثية في أقصى الشمال ، والحراكية في بعض نواحي الجنوب والقاعدية في بعض مناطق الشرق .

وبقدر ما كانت هذه الظواهر في الشمال والجنوب والشرق سبباً كافياً لغروب عمر النظام ، إلا أنه بسبب خصوصيات المجتمع اليمني ومخاوف المعارضة اليمنية كان سبباً للتباطوء في تقويض النظام ، وهذا ما ظلت السلطة تراهن عليه ، حيث أثبتت الأدلة والوثائق أنها تعهدت هذه الفتن الثلاث بالرعاية المباشرة في البدء ، ثم بالدعاية السوداء والتشجيع المبطن بل والتضخيم المتعمد ، حيث ظنت السلطة أن هذه الفتن ستظل تخلق المبررات والأعذار لبقائها على كاهل هذا الشعب إلى ما لا نهاية .

لا أريد الخوض في العوامل التي جعلت المعارضة تمارس دور الكابح للشباب حتى لا يتحركوا ، بل أريد فقط الإشارة إلى دور المعارضة في كبح جماح الشباب في الخروج إلى الشارع في البداية ثم في تحلية الشباب في الشارع بسياسة النفس الطويل ومنعهم من الاندفاع للرد على جرائم البلاطجة واستفزاز جهاز سطوة الحاكم .

وقبل أن ننتقل إلى العامل الثاني تقتضي الموضوعية أن نشير إلى تسيد روح الاستبداد أوساط فصائل المعارضة ووجود بعض مفردات التخلف الأخرى الموجودة عند السلطة ، مع الاختلاف النسبي بطبيعة الحال ، ساهمت في الحركة البطيئة نحو التغيير ، ولولا وجود شباب كثيرين في هذه الثورة غير مؤطرين جزئياً لكانت الحركة أكثر بطئاً مما هي عليه ، لكن حرص القيادات على انسجام جسم الثورة أدى إلى التقاء شباب الأحزاب مع الشباب المستقل في منتصف الطريق ، حيث تسير الثورة أسرع مما تريد الأحزاب وأبطأ مما يريد الشباب المنفلت من عقال الحزبية والحسابات الداخلية والخارجية . 

ثانياً : الأمية الشائعة واستزراع السلطة للمخاوف في تربة هذه الأمية :

الناظر في نسبة المتعلمين في عهد ما قبل علي عبدالله صالح يجد أنهم أكبر من نسبتهم بعد ثلاثة عقود من السلطة الصالحية المطلقة ، والتي يبدو أن رئيسها يغير من المتعلمين ربما لأنه لا يحمل أي شهادة علمية ، وربما لأنه رأى أن أصحاب الوعي أقل طواعية له ، ويحتاجون إلى ترويض أكبر ، مع ما يحتاجه هذا الترويض من وقت وجهد ومال .

وظل صالح وسلطته يلفتان الأنظار عن سياسة التجهيل الممنهجة بالحديث عن كثرة المتعلمين مقارنة بما كانوا عليه قبل ثلاثة عقود ، لكن هذه الزيادة مرتبطة بالزيادة السكانية بالدرجة الأولى بدليل أن نسبة الأمية كانت عند حافة 50 % أما اليوم فهي تتراوح ما بين 60 و70 % وفق تقديرات مختلفة .

وانتكاسة التعليم في عهد صالح لا تقف عند حدود الأعداد والنِّسب ، بل تسربت الأمية الثقافية إلى أوساط المتعلمين ، بسبب إفساد التعليم وتخريب التربية وإشاعة قيم الغش والمحسوبية ووضع متطلبات التربية في هامش الاهتمام وإعطائها فتات الكوادار البشرية والإمكانات المالية .

المهم أن هذا الجهل الشائع صار بيئة مثالية وتربة خصبة لوضع هذا النظام الفاسد جذوره في أعماق البيئة اليمنية، من خلال الفهم الجبري الاتكالي للقدر ، وصرف طاقات الأفراد في الدوران حول العصبيات ، والتوجه بفاعلياتهم نحو الانفعالات والاستجابة لثقافة عصور التخلف والانحطاط ، ولا سيما ما يرتبط بتعظيم الحاكم وإيجاب طاعته ولو جَلَد ظهر المواطن وقصم ظهر الوطن .

وبسبب نجاح السلطة الفاسدة في استزراع ألغام التشظي والتمزق ولا سيما قنابل الجنوب وصعده والقاعدة في هذه التربة المترعة بالجهل والأمية ، استماتت أجهزة الإرجاف النفسي والتسميم السياسي في تحويل هذه القنابل إلى فزَّاعات تدفع الكثير من العامة وبعض المثقفين إل الامتناع عن معاقرة أسباب التغيير وخوفاً من انفجار هذه القنابل ، بمعنى أن هذه الجرائم صارت مبررات إضافية لإطالة عمر هذه السلطة عوضاً أن تكون مبررات لقصف عمرها الافتراضي ، كيف وقد انتهى عمرها الافتراضي منذ أمد بعيد ؟!

ومن الغريب أن طوابير الإرجاف وضحايا الجهل تطالب الشعب اليوم بالتنازل عن حريته وضروراته بحجة المحافظة على الأمن والوحدة ، بمعنى أن هؤلاء يرون أن الشعب هو الحائط الواطي الذي ينبغي أن يزداد انبطاحاً وتراجعاً أمام طغيان الحاكم العملاق الذي استمد عملقته من تقزم الشعب .

لقد رأى هؤلاء (الواطون) أن الشعب هو (الحائط الواطي) الذي ينبغي أن يمارس الجَزْر أمام طغيان المد السلطوي ؛ لأنهم صغار ، واستمرؤوا العيش في الصَّغار ، لكنهم يقولون من حيث لا يدرون إما أن يحكمنا صالح وإما أن يرمينا في متاهات التشظي وهواجر الاقتتال الأهلي .

وربما كان بعض هؤلاء صادقاً فيما يراه لأن السلطة التي يعرفون خباياها يدركون أنها وظفت معظم جهودها في استثمار طاقات الشعب من أحل خلق منظومة الصوملة ، وهي التي تقوم على سياسة " أنا وبعدي الطوفان " بحيث أن الحاكم يمتلك القدرة على هدم المعبد عل رؤوس المصلين إن لم يتجه الناس بالعبادة إليه ، فالعبادة إنما هي الطاعة!.

وأستطيع أن أجزم اليوم أن الزعماء العرب حافظوا طيلة ثلاثة عقود على تمزق الصومال ، حتى يكون فزَّاعة لشعوبهم ، بحيث لا يكون أمامها إلا خيارين : إما البقاء في العبودية والأسر وإما الصوملة .

ثالثاً : طبيعة البنية الثقافية للمجتمع اليمني :

يعاني العقل اليمني كنموذج صارخ للعقل العربي من عدة آفات تساهم دائماً في إطالة أعمار الحكام الظلمة والمستبدين ، ومن ذلك الحس الفردي وبروز النزعات المناطقية ، بما يعني غياب الحس الجمعي الذي يمكن أن يقف لهؤلاء بالمرصاد .

ويظهر هذا التشظي حتى على المستوى المادي الظاهري ، ففي آخر إحصاء لسكان اليمن ومدنها وقراها جاء أن السكان حوالي عشرين مليون بينما يصل عدد المدن والقرى والمحلات إلى مائة وثلاثين ألفاً ، بينما في مصر مثلاً عدد السكان ثمانين مليون نسمة يتوزعون في أربعة آلاف مدينة وقرية .

هذا الحس الانفصالي مع تضاريس الطبيعة الصعبة بجانب التخلف الثقافي وشيوع الفقر كلها عوامل تساهم في تهديم صروح الحس الجمعي الذي يمثل حجر الزاوية في مقاومة الاستبداد .

لقد ظل هذا الحس التشرذمي يمثل قارب نجاة لأنظمة القمع والاستبداد من الغرق في محيطات الشعب ، حيث نجح نظام صالح بالتحديد في قمع محاولات الوثوب والثورة ، مستفيداً من البيئة غير الصحية الناتجة عن إدارة البلد بالأزمات ، ولولا ذلك لما طال عمر هذه السلطة أكثر من خُمس عمرها الذي وصلت إليه اليوم .

ومن ينقب في ثنايا تركيبة العقل اليمني يلاحظ ضعف الاهتمام بالشأن العام ، ولا سيما ما يرتبط بالأمور الصغيرة ، ولهذا ورد في كتب التاريخ أن سبب خراب سد مأرب هو الفأر !.

واليوم يتكرر المشهد فالفساد يبدأ فأراً صغيراً ، لكنه اليوم صار مؤسسات ولوبيات ومراكز فتوى ، وصار أصحابه قططاً سماناً بل وأسماك قرش ودولار ويورو !!.

وثالثة الأثافي في التركيبة الثقافية للعقل اليمني هي ما سماها الشهيد الزبيري بـ(العقدة اليزنية) ، وتتلخص في انتظار اليمني للخلاص من مشاكله من الخارج ، نسبة إلى القائد اليمني سيف بن ذي يزن الذي ظهر قبل الإسلام بقليل عندما احتل الأحباش بلاده ، فعمد إلى البحث عن استقلال بلاده عند الرومان ، فلما لم ينجح ذهب إلى الفرس فكان له ما أراد وتم طرد الأحباش بالتعاون مع بضع مئات من الفرس !.

ولأن التاريخ يكرر نفسه فإن العقدة اليزنية كانت سبباً في قبوع اليمنيين في ثنايا التخلف ، حيث لا بد أن يكون المخلِّص من خارج اليمن ، ففي ثورة 1948 الدستورية كان لهذه الثورة قائدان ، قائد سياسي هو الفضيل الورتلاني ، وقائد عسكري وهو جميل جمال ، وكلاهما ليسا من اليمن ، فالأول جزائري والآخر عراقي .

وعندما التف ولي العهد أحمد على الثورة وألب القبائل عليها ظل الثوار اليمنيون تحت قيادة إمامهم الجديد عبدالله الوزير منتظرين العون من الإخوان المسلمين في مصر ، ومن الجامعة العربية لدرجة أن عبدالله الوزير رفض فتح مخازن السلاح للثوار اعتماداً على أن العون سيأتي من الخارج ، حتى سقطت الثورة بعد ثلاثة أسابيع وسقطت رؤوس الثوار بسيوف الإمام أحمد وعلى رأسهم الإمام عبدالله الوزير !.

وتظهر تأثيرات هذه العقدة منذ ما يزيد عن عقدين من حكم علي صالح ، حيث الكل ينقده ، والجميع غير راضين عن طريق إدارته للدولة وما وصلت إليه البلاد ، ومع ذلك فإن " تفرق أيدي سبأ " منعهم من مد أيديهم لبعض تكوين حس جمعي وصناعة سيل يقتلع الفاسد وحثالته ، كما يصنعون اليوم ، وإن كانت آثار هذه العقدة ما زالت تؤخر قافلة التغيير ، وما زال نظام صالح يراهن عليها ، ولا أحد يجهل تحركاته أوساط القبائل المحيطة بصنعاء بالذات ، وصناعته للظروف المشابهة لاستباحة صنعاء سنة 1948 على يد الإمام أحمد .

ويبدو أن نقمة صالح أشد من نقمة الإمام أحمد ، فقد كان أحمد يتذرع بقميص عثمان وهو اغتيال والده يحي ، أما الإمام علي صالح فإنه أكثر مخاتلة حيث حمل في يديه قميص الوطن مدعياً بأن شباب اليمن يريدون اغتيال الوطن الذي زعم أنه بناه طوبة طوبة !. 

*أستاذ الفكر الإسلامي السياسي بجامعة تعز

رئيس منتدى الفكر الإسلامي