هؤلاء " أخوة يوسف " يا عبد الهادي
بقلم/ وليد البكس
نشر منذ: 8 سنوات و 5 أشهر و يومين
الإثنين 05 مارس - آذار 2012 03:29 م

alboox@gmail.com

باكرا حجز خيمته في الثورة،الثورة كانت بالنسبة اليه اشبه بموعد عاطفي،استعد له منذ وقت طويل.عمل بكل قدراته الممكنة وضاعف طاقته،نبرة صوته الرخيم يعرفها الجميع هنا ، يلفت الأنظار ويجذب الأضواء،إن حضر يسعدون به ويفتقدونه ويبحثون عنه لو توارى.كبرت أحلام أصدقائه وزملائه بصحبته ،و يتذمرون أحيانا من فرط حرصه،كانت ساحة التغيير كأرملة إذا غاب ويسأل الكل عن موعد حضوره.وفي الساحة كما خارجها.يحضا عبد الهادي العزعزي بسمعة طيبة،معها لا يعرف سوى كيف يترك انطباعه المميز.

بعض الأفكار ثورية جدا بحيث لا تصل إلي مرحلة التنفيذ ابدآ،لكن تلك بالنسبة لعبد الهادي، اضحت من الماضي،الآن ثار الشعب،و يجاهد على أحداث التغيير،ليحصد ما كان يطمح إليه.قال العزعزي.ولحسن الحظ، فإن ذلك يتحقق تباعا لهذا الجيل الغاضب،وهو ينشد قفزته النوعية للوطن.إنها إشارة الي نهاية عهد،كما يراها هو."قابلة للاستنساخ والتسويق"

"عبد الهادي" الذي يتهمه البعض في ساحة التغيير،وهم قلة من متسكعين غابة الشكوك وروادها،على انه منحاز لحزب الإصلاح في أدائه داخل الساحة.(هنا ليس تمجيدا لأحد).إنه لا يعد ابعد من تمرين على إنصاف شخص نعايشه عن قرب،رأيته ثائرا يغامر بما يملك،ويقامر لتجنب جرح الآخرين،انه يعرف أيضا كيف يتلاعب بأعواد الثقاب،و يتقن طريقة إشعال النار بمن يريد و متى شاء.ما يمتلك من الأخلاق يجنبه اجتراح دهاليز المشككين و الرد عن حملة التشهير المقيتة التي تطاله،كما يؤهله هذا التعالي إلي مصاف رجل كبير ناضج.مع انه أصبح في مرمى ضغينتهم مباشرة،وبتنا نسمع صرير الحقد تحت ألسنتهم ضده وبحقه،يغطي ما تبقى من أشبه المواقف التي أزعجنا ضجيجها.إلا أن القروي الذي خطف الأضواء عن البعض وما أكثرهم.الترفع عن تصرفاتهم الطائشة هو قراره الأخير.

يعد العزعزي عضو دائرة الشباب في حزب التجمع اليمني الوحدوي،الذي أسسه المناضل عمر الجاوي.يضم نخبة من اليساريين، يعمل بجدية بالغة ضمن فرق عديدة في الساحة ويتبنى اغلب الأفكار المتزنة،إنه ببساطة أرشيف الساحة و شخصية الثائر المعتدل. لذلك اجزم بأنه لا يلتفت إلي سعار الأغبياء المفرط تجاهه.لأنها يا صاحبي لو ظلت تشدنا للخلف- حد قوله- ،لم نكن لنصل إلي هذه اللحظة التاريخية المغايرة من حياة اليمنيين.

إن محاولات للنيل منه،و من هذا النوع بالنسبة لرجل حصيف؛لا تعد أكثر من المواظبة على استنباط همجية توجهاتهم المشتتة قال.بقصد إحداث الجلبة فقط،أو في مكمن أدائهم لنقل: استخلاص منطق متكامل من الفشل الذي يتشاطرهم في متاهات مشوارهم الغريب.

وفي سياق هذا الهزل المستنسخ من إخفاقات صريحة تمتعوا بها في الماضي ويحاولون استعادتها على أنها نجاح وحنكة وتبصر في الأمور.فيما هي بالغالب نط فوق الواقع ألقائم،وهم يحاولون استدراج مواقف ثورية عميقة من هذا النوع ويعملون على إتقان التشويش من الداخل(يقصد داخل الساحة)على أنها "اللعبة ألداخلية" بالمعنى الرديء للكلمة،لتبدو الصورة الإجمالية للتحالف النخبوي (دعي المدنية) وبقايا بقايا النظام هو في موقع الهجوم مع انه يتهاوى يتلاشى وسينتهي.كما انه يتوهم بالتحكم بلحظة المواجهة وفقا لحساباتهم المتأخرة الفائتة.وقد يؤدي هذا إلي أخطائهم المتلاحقة،التي سنطلق عليها حتى الآن با "اللامقصودة" كون الحاجة عوزتهم التاريخية "هم"،وستظل تدفعهم للتخوين والنيل من الناس ونسف أداء المحترمين المنقطع النظير.

حتى الآن سنظل نردد في وجوههم بأن الضرر الذي وقع(من تشويه وتحقير وتخوين وغيره)؛اقل من الضرر الذي كان سيقع لو فعلا تجاوز "الرئيس السابق" بمختلف أدواته من نوع أصدقائنا ثوار الصفقات،ثوار الدست، كل هؤلاء الشهداء والجرحى والأوفياء لبرامجهم التغيرية بساحاتها المليونية. 

بدا العزعزي مسيرة الثورة قبل عام من الآن برفقة أصدقاء ورفاق التأسيس،بمفهوم "السلمية" الجديد،وهو الآن يشعر بأنه قد تواطأ مع حلمه،غير ان شيء يتحقق يجعله يستمع لنداءات ضميره الصافي،و يردد من لا يصدق عليه أن يسأل الناس البسطاء "أرجوكم أصدقائي تجنبوا فضاضة المثبطين،يقصد ( مدعوا التقدم والمدنية ) خدعونا زمن وما يزالون يحاولون خدش مشروعنا الكبير بالتغيير"

هل علينا أن نكون وقود مراحلهم الماضية والقادمة؟،يتساءل خوفا،وماذا لو لم يكن لدينا شباب حقيقيون قدموا حياتهم ثمن للحلم؟هل سنركن إلي عفش النظام وسامانه المتراكم فوقنا طيلة سنين( كما يحلو له وصف البعض في صفوف النخب كذلك،وحينما ينوي نعت من يستهدفونه بالترويج بشائعاتهم يكتفي بوصفهم " العضاريط " هذه أسطورة كان يرويها الأجداد لأحفادهم في ليالي القرى البعيدة،بقصد التخويف.ما يستدعي الصغار أن يخلدون للنوم.

 لو دار الحديث وأخذت وتيرة النقاش بالتسخين،يتلقى اللكمات بثبات الملاكم من الوزن الثقيل،ثم يحتكم إلى المنطق ومهارات الإقناع،و يرجع منتصراً من اغلب جولات مواجهاته. لطالما يشعرك انه يخوض نزال من نوع خاص،على ارضيته المفضلة. بثقة القوي يتنازل عن حقه بالأفكار وليس بالمبادئ،ويتراجع ويفرط في المرونة معتبراً أن الخسارة مقبولة شرط ضبط خسائر اللحظة لو فعلا ستقع. 

يستحق أن يكون عبد الهادي ترس الثورة الأول في ماكينة اللجنة التنظيمية والساحة على وجه العموم،حيث يعمل منذ الأيام الأولى وما قبلها من اندلاع الثورة؛وصناعة الساحة بجهد مضاعف.فلا غرابة أن تصفه صحيفة الواشنطن بوست ب"زعيم الاحتجاجات في اليمن " لكنه لا يفاخر بأي إنجاز حتى الآن أو أوصاف "ويكتفي ب"انا مجرد قروي رعوي بسيط"

عن جدارة يتفرد العزعزي بتوصيفات أخرى عديدة اهمها أن يطلق عليه أصدقائه بأنه المحرك الرئيسي " للجماعات العملية "و يعتز بذلك.من لا يعرف الجماعات العمالية كما يطلع عليها هو.عليه أن يمر وسط حي القاع في العاصمة صنعاء وبعض الأحياء التي يتراكم فيها إنتاج البطالة الممنهج الغزير؛حيث يتجمع فيها العمال العاطلين عن العمل،كأنهم في معرض تجاري عصري. ينتظرون فرصتهم المفقودة.

كان عبد الهادي احد من يجالسهم في مختلف الأوقات على ارصفة الشوارع وفي أكثر من حي ،كأنه يعزز ثقته بقيمة هذه الأيدي العاملة ويدخرهم ليوما ما.إنه المؤمن بدورهم وأهميتهم يتبادل معهم الأحاديث في جلسات شرب الشاي التي تمتد لأكثر من ساعة،كما يزور اغلبهم في مساكنهم وأماكن إقامتهم بغرض المواساة والشعور المتبادل بالانتماء للواقع ألواحد،كل ذلك يعزز حضور العزعزي لدى أصدقائه.أحبته هذه الجماعات العمالية ويتعلقون بأحاديثه كثيرا، كما يشعرون بأن وقتهم شيق بصحبته،وكم مرة أحسوا أنه جزء من يومهم مهم.ليس لأنه المثقف والمدرس الذي يحمل شهادات عليا من مصر على سبيل المثال،ولكن لأنه،صديقهم الدائم "يدعوه عبد الهادي العز عزي"دون أن يسبق اسمه بالأستاذ أو المثقف.لكم أغواهم بأحاديثه المتزنة التي تبعث على الأمل من تحت الرماد.وكل مرة يختم لك كلامه " انا فلاح أصيل اعتز بانتمائي لروح القرويين الانقياء.هكذا يجيب على سؤالك عن سر علاقته،والرابط الخفي بينه وهذه الجماعات حينما سقط بن علي في تونس ولحقه مبارك في مصر.شكلت جماعات العزعزي العملية رافدا رئيسيا لمسيرات الشباب في شوارع صنعاء،وتلك حكاية أخرى يسهب فيها عبد الهادي وهو يتحدث عن تفاصيل التفاصيل التي لا يتقنها سواه،وكم يفاخر بالدور الذي لعبته هذه الطبقة السحيقة التي لم يكن احد يلتفت إليها بحسب العزعزي - في مساندة الثورة،ظلت حاضرة جنبا الي جنب ،في صفوف شباب الجامعات وطلاب المدارس،انه الفعل المتسق مع بقية الفئات.المسؤولية الأخلاقية والوطنية مصدرها الحقيقي اضاف. 

لا يجيد العزعزي التعامل الفوقي مع الناس،لذلك يحض بعلاقات و أسعه مشبعة بالحب والود،لحام التواصل بينه و طبقات وشرائح المجتمع.إن غاب نفتقده وإذا حضر نغبطه.شاب مهجوس بالوطن،طموح مهادن لكل إعتمالات روحة نحو مشروع لبرالي يمني متقدم، تفوز به كل هذه التكتلات الشبابية اليسارية واللبرالية الحالمة. وهو ما تتطلبه اللحظة الصاخبة في وطن يتشكل.يقول:على رأس المال الوطني العمل على تبني مثل هذه المشاريع الفكرية النهضوية بجدية بالغة.وإحياء اللغة الوطنية الحقيقية.أضاف.

الحديث عن طموحنا السياسي يجب ومن الضروري أن لا يتزامن مع ارتفاع سخونة الاستعدادات لحلقات الحوار الوطني وما بعده، علينا أن نواصل المضي لنحقق هذا الطموح،و يعلل : البلد يفتقر لزعامات كاريزمية قادرة على منافسة الزخم المضاد لزعماء الغفلة وقادة فشل ألجمهورية "لو لاحظنا ذلك لن يتعدى ثلاثة أشخاص أو اقل" 

عندما استطاع العزعزي مع مجموعة من الرفاق إقامة أول اعتصام ليلي في ساحة التغيير – صنعاء،لم تكن الخيمة نصبت،قضى الشباب ليلتهم وسط البرد في العراء،محتميين بسور ألجامعه المواجه للشارع العام والي جوار تمثال،الإيمان يمان والحكمة يمانيه يقول:نهاية نهار اليوم الثاني : زارنا رجل لم اعد أتذكر سوى ملامحه،على ما يبدو كان من طرف رجل اللاعمال جمال المترب،كان يرتدي ثوب ابيض ولم يتحدث إلينا طويلا،لحظتها تركناه مع احد الشباب،عرف ما الذي ننوي القيام به،تأسيس ساحة اعتصام مفتوح،قدم حينها عدد من الخيام ،وذلك ما مكنا من تأسيس المخيم و الساحة.استطعنا أن نؤسس خيمتنا الأولى منتصف تلك الليلة.

استمر عبد الهادي بالتواصل بأكثر من طريقة عبر الاتصال مرة وأخرى بالرسائل،أكثر من صديق أقنعهم بالانضمام لساحة الاحتجاج ،كان على يقين بأن لحظته الفارقة تولد الآن،كيف لا وهو القادر على خلق الحماس و يتفنن في استخدام مفاتيح التأثير.بالنسبة له الآن تبدأ الأمور بسيطة وما أن تلبث أن تتحول إلي كرة من الثلج مرة تتشعب في الأرض وأخرى من النار يصعب اطفائها،وهذه ميزة الشاب الثلاثيني الذي تقدم للساحة فاجتذبته كابن ضال عاد إلي بيته المنتظر، محملا بالشوق،مفرط باللوم والعتب والفرح.

كانت لحظات عصيبة حينما يحل المساء على عبد الهادي والرفاق،غير انه الاتجاه ألإجباري،و لا رجعت عنه.لم يرى بدا من المحاولة السير فيه ومطاردة الفرصة الفارقة،نجحت المجموعة الأولى بالقبض عليها بإيوان الزمان والمكان الممتلئ بكل التخوفات الغائبة.

تأخذ الساحة بالتشكل والاتساع ويشعر معها الصديق عبد الهادي باتساع البيت والوطن بقدر الحلم ،وعمق الرؤية التي تتشكل معها قدرات الشباب في مواجهة اللحظة،حيث أفاق عليها وطن بأسره،ومع ما يكتنفها من مغامرات،مخاطر وعقد،لا حدود لها.ظل يلازمها ؛ كأنها واحته ومشجبه الأول والأخير بل " حائط مبكاه ومئذنة سروره وأجراس رغباته بالتغيير. لتصير هذه الساحة مؤخرا مرابعة الخضراء على الدوام.

اليوم يتذكر عبد الهادي وهو الذي (يعد وحيد والديه)انه بعيدا عن قريته منذ ما يزيد عن سنة كاملة؛و إن أسرته وأربعة من أبنائه هناك،الإ انه يتحمل كل الم الفراق والبعد عن أسرته ومسقط رأسه في مضارب الحجرية،ويحن لرؤية والده المتعب.دون أن يشكو من كل ما يلحق به على المستوى الشخصي أو الأسري.نهار امس الاول(الجمعة) تحدثت اليه وهو متعب " اشتي ازور ابي في تعز مريض "قال بلكنته المعهودة.لا يحب ان يشاركه احد المه،وحينما ادرك انه سيحملنا شيئا من همه.استدرك،ليلتقط جواله،و يتحدث الي صديق مقرب له منذ زمن،لم تطول المكالمة و ضع تلفونه جانبا،يواصل حديثة في سياق التغيرات التي كان اجراها رئيس الجمهوري في محافظات عدن،يبدو عليه الارتياح من هذه التغييرات الذي يصفها بالناجحة " كانت موفقة الناس تشعر معها بارتياح واسع"

تلفونه لا يهدأ.اشعر بتأفف من كثرة الاتصالات التي يتلقاها،او يجريها،و مهما يكن الخبر الذي يباغته،لا يشغلك بفحواه.يواصل حديثة وهو يبتسم بهدوء : خرجنا و لدينا حلم ،ثم يضرب بيده على ركبته "نحتاج ألآن لإحداث التغيير الحقيقي في مفاصل المجتمع بما فيها الأحزاب و النقابات ومن خرج وهو يشعر انه لن ينفع الناس او ينوي ان يلحق بهم الضرر عليه ان يعود ادراجه" 

يتناول البعض عبد الهادي في كتابات عبثية،اقل ما يمكن أن يقال بشأنها انها تصدر من اشخاص يتمتعون " بقلة الضمير"ولا يعرف أصحابها انه صار بفعلهم اسما لامعا في الساحة وخارجها،يجتذب في طريقة منتظمة كل من يقابلهم من أبناء القبائل و أبناء المحافظات الجنوبية والشمالية على السواء.

يدرك ان خضات الوطن في الجنوب وصعده – مثلا - تحدث الآن وقد تمتد قليلا،لتخرج اجمل ما يمكن القبول به من هذه الاطراف.

انه مثقف فذ،يمتلك خامة من نوع مغاير.ادائه المختلف الاكثر تعقلن،يصطدم بإخفاقات الثوار المتشنجين على الدوام.و منطقه كهذا هو العامل الحاسم في الساحة الواسعة.نختلف معه أكثر من مرة،اعتقاده مثلا- أن في الجهة المقابلة لهذا البلد حيث سحب دول الجوار تتشكل و غمامها المحملة بألا مل.ستمطر،لكنه كما يراها " ستمطر يوما سماء الخليج كله علينا وليست أللمملكة العربية السعودية فقط،لا تفاجئك آراءه التي يدافع عنها وهو يردد:نحن عمقهم الجغرافي والتاريخي ولا يمكن لأي منهم أن يظل يتجاهلنا و مشروعنا ألتغييري يتحقق ،وسيأتي اليوم الذي سيدركون فيه أننا أحق من غيرنا بشراكة العمل و الإنتاج،وها هو قد بدأ،عوضا عن حظوظ اليمنيين المقيمين هناك من يتمتعون بفرص عمل يجب أن تأخذ مراعاتنا بحجمها المتزايد الآن.وعلينا أخذه على محمل الجد.والمضي في التغيير الداخلي قبل الخارجي.لو اردنا فعلا ان نكون كما نشاء وكما نحب.