حزب النازحين
بقلم/ منصور غراب
نشر منذ: 8 سنوات و 7 أشهر و يوم واحد
الجمعة 23 مارس - آذار 2012 01:46 م

أكثر من نصف مليون نازح داخل اليمن هذه آخر إحصائية تحدثت عنها الأمم المتحدة في بيان لها نشرته قبل أيام, أمر وصفته المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في اليمن ب\"شديد الخطورة".

الرقم في ازدياد ويبدو أن الحال ماض لتحطيم الأرقام القياسية في النزوح لتصبح اليمن بجدارة بلد المليون نازح.

مثل هكذا وضع وان تم احتواء جزء من المشكلة لكن واقع الحال لا ينبئ بذلك إذا ما ابتعدنا عن لغات التفاؤل أو التشاؤم واستندنا إلى القراءة المنطقية للقضية.

لا ادري ما الجدوى من وزارات كوزارة الشباب والرياضة او الثقافة او السياحة التي يمكن استبدال كل مهامها بهيئات في وقت نحن بحاجة الى وزارة خاصة بشؤون النازحين او المهجرين.

يمكن ان تتضمن مثل هكذا وزارة في حكومة الأولويات قطاعا خاصا للاجئين الأفارقة الذي يقارب عددهم نصف المليون ومائتي الف فقط حسب سجل الأمم المتحدة.

ان استعصى أمر وزارة متخصصة للنازحين فلنلحق النازحين اليمنيين بوزارة شؤون المغتربين لأنهم غُربوا فعلا وفي وطنهم وسبقهم 6 ملايين آخرون الى الغربة في 155 دولة حول العالم حسب دراسة حكومية حديثة أعدها شايف عزي صغير عضو مجلس الوزراء.

الغريب ان اليمن بلد مصدر ومستورد للاجئين الأفارقة في الوقت ذاته، الافارقة يتجهون صوب اليمن كمستجير من الرمضاء بالنار وربما كانت الأوضاع في بلدانهم أفضل نسبيا لكن بإمكانهم على الأقل أن يحصلوا على هويات يمنية يحتفظون بها لوقت الحاجة بتكلفة لا تتجاوز قيمة \"تخزينة قات\".

الهوية اليمنية لا تستحق كل تلك المغامرة ومصارعة القراصنة في البحر أو اسماك القرش ومنازلة الغرق فهم قادرون على الحصول عليها وبالبريد لكن ما في خيال أولئك يقول انهم لم يسمعوا بتهجير أكثر من 168 الف من أبين بسبب الحرب على القاعدة صوب المحافظات المجاورة في عدن ولحج والبيضاء فيما يتوزع نصف المليون نازح على أكثر من نصف المحافظات اليمنية (11محافظة).

لم يدرك لاجئو القارة السمراء ان المدارس في اليمن باتت مساكن غير مريحة لليمنيين.

لم يعي الأفارقة ان نازحي أبين وصعدة وحجة وغيرها يعانون من نقص في الغذاء وان الحكومة اليمنية غير قادرة على الإيفاء بمتطلبات عونهم الغذائي وحدها وأنها رغم الدعم الذي تقدمه عمان والسعودية والصين وغيرها من الدول لا تكاد تشبع جوعهم حيث إنهم بحاجة إلى 60 مليون دولار سنويا حسب الأمم المتحدة.

لم يفهم الأفارقة الذين يرسمون حلمهم المسمى \"يمن دريم\" أسوة بالحلم الأمريكي \"امريكان دريم\" ان أحلام اليمنيين بالمأوى الكريم تدفن في كهوف أرحب وما جاورها وان أمراضا تفتك بأطفالهم لسوء الأحوال الصحية هناك.

سبع سنوات مذ هجّر نازحو صعدة نتيجة ستة حروب مع الحوثين لكن ما يقارب نصفهم يفترشون العراء ويدثرهم الهواء ولم يعودوا الى بيوتهم ان تبقى لهم ذكرى من حبيب ومنزل رغم ان الأوس والخزرج قد أوقفوا الحرب تلك وفكروا ب\"تقليعة\" حرب جديدة.

لم يعلم أفارقة الجوار ان كشر وعاهم ومستبا ووشحة في حجة في طور رفد حلف النازحين اليمنيين اذ ساهمت حتى الآن بنزوح أكثر من 5500 اسرة عن منازلهم ولم يسمعوا عن بطولات الحوثيين في فتح بلاد ما بين الكشرين وكذا ما أنتجوه من نازحين في حرف سفيان بعمران حين حاولوا نشر الديانة الحوثية.

اليس اليمن أولى بإيجاد حلول لهولاء النازحين الذين لا يفقهون في الصراع على السُلطة ولا السلَطة والولائم سوى ما يسد الرمق او يتركهم جانبا حيث كانوا امنين.

اجتماع الرياض الذي عقد مؤخرا لمناقشة الدعم الإنساني لليمن ليس وليمة وإنما دليل على ان الإهمال المحلي وتقصيره في الجانب المهم جعل الآخرين يناقشون متطلباتنا ونستجدي منهم الحلول واخذ رؤوس الأموال إذا أينعت.

هؤلاء المانحون ومن نسميهم أصدقاء أصبحوا أكثر مراسا في التعامل مع مسؤولي اليمن فلم يخرجوا سوى بمجرد اقتراح لتأمين المبالغ المطلوبة لصندوق الاستجابة للطوارئ في اليمن وهو مرهون بما يخصصه المانحون وفق إستراتيجية يتفق عليها كما اتفق الذين من قبلهم في \"موقعة\" لندن 2006.

اذا كان مسؤولونا ينظرون الى النازحين كعنصر لتلبية حاجات اليمن فان معالجة الاحتياجات الإنسانية لهؤلاء النازحين تمثل عنصرا رئيسيا لاستقرار البلاد حسب المنظمات والمجتمع الدولي الذي يرى ان الإنسان في اليمن لا يحظى بما تحظى به القطط من الرعاية, فآدميته على محك المزايدات وهو أشبه بقُربة, كاطفال تستجدي بهم شحاذات محترفات قلوب الآخرين أكثر من اهتمامهن بأولئك الأطفال الذين في حجورهن \"لا اتجنى على الفقيرات المسكينات لكن لا داعي للأساليب المرهقة ممثلة بالطفولة\".

فقر أنجزت ملامحه السنون الماضية ورموزها الأشاوس ولا حجة لمن يرى أن اليمن كانت سويسرا قبل فبراير 2011 ف(45) % من اليمنيين لا يملكون ما يكفيهم من الطعام و 5 ملايين من الجوعى يفتقدون الامن الغذائي وأطفال يعانون التقزم للسبب ذاته ما يستدعي التدخل العاجل في المساعدات وما ذاك الا نتيجة سياسات اقتصادية فاشلة او غير موجودة بالمرة ومبارك عليك يا يمن بترول هو الأغلى في العالم في بلد مصدر وأنابيب نفط لا يهدا لها بال دون تفجير حين الظهيرة وقبل النوم اما الغالبية فبالكاد يجدون \"الزوم\".

نمنا فعلا جميعا في سبات السابتين وأولوياتنا كانت- وربما تستمر- لاستيراد الأسلحة الروسية وبقايا اليوغسلاف ولم نؤمن لشعب لقمة عيش كريمة سوى \"كدمة\" في كل وجبة لمن يستخدم تلك الأسلحة للقمع وحماية الكرسي أما النازحون والفقراء والبشر فلم يخطروا على البال بعد.

لا يؤدي الجوع إلى الذل دائما لكنه قد يقود إلى الهلاك والهلاك لا يعني انحسار الجائع في ركنه حتى يأتيه الموت من كل جانب بل ان الفقر قد يصنع الانتحاريين والإرهابيين ومن ومن تسبب في المعاناة أياد مفرطة في النعيم تلفح بنار انتقام أشعلتها هي وتشب إلى حين, وخوفي من ان يتحول النازحون الجائعون في ابين الى قواعد وليس الى مجرد قاعدة.

الفقر والنزوح قصص متجددة في تاريخ اليمن المعاصر وربما جرت الأحداث بوتيرة مغايرة قليلا فلا يسعفنا الوقت للقول \"نازحون\" وإنما \"زاحفون\" بمعنى منهكين وفق بعض اللهجات وربما بما حمله الربيع العربي من معنى يجعل الجوعى لا يبالون باي كان سواء طاغية او يأتي بما يريدونه طواعية.

نازحون تذكرهم اللجنة العليا للانتخابات لان أعدادهم فائقة وهم كفيلون بإحداث الترجيح لذلك تأتيهم الصناديق ولو كانوا في جروف الصخر او مدن الصفيح الصدئة ولم يع او يتبادر الى كل أولئك النازحين أنهم قادرون على الانخراط في العملية السياسية وتشكيل حزب النازحين بدلا من مغازلتهم بالفتات مقابل أصواتهم وحينها ان لم تكن الملايين ضمن قواعد الحزب فلن تخذله وستكون من مناصرية ومناصري المظلومين حتى يزول ظالموهم.