دور الإعلام في تغيير قناعات الشعوب
بقلم/ مصطفى حسان
نشر منذ: 6 سنوات و شهرين و 24 يوماً
السبت 14 سبتمبر-أيلول 2013 06:25 م

اصبحت وسائل الإعلام بنوعيها المرئية والمسموعة هي من تصيغ قناعات ومفهومات لقطاع كبير من الشعب، بعيدا عن الجدية في الحصول على المعلومة ومن ثم التأكد من صحتها، قبل أن تستقر في عقل المواطن، ويبني عليها تصور معين، ليصبح تصوره بعد ايام عقيدة لا يمكن زحزحتها، وبما أن الشعوب العربية تميل الى الفتور، وإلى كلما هو جاهز، لذلك تقبل بما يملي عليها الإعلام، وتسلم به، حتى ترفع عن نفسها حرج الجهل بالواقع ولوكان انطباعا مغلوطا، وتوفر عن نفسها عناء البحث والدراسة للقضايا المتصارع عليها اليوم، والمثيرة للجدل.

عملية البحث والدراسة وعدم الاعتماد على مصدر وحيد شيء مهم حتى يصل الشخص الى قناعة بالنتائج التي توصل إليها هو، وليس ما توصلت إليه أيدولوجيات معينة، تسخر تلك الوسائل الإعلامية لكل ما يوافق تصوراتها، حتى لو كان فيه تجاوز اخلاقي وإنساني، وتعدي على حرية الآخر، بل يصل الأمر حد الكذب والتدليس والقفز على مسودة القانون التي اتفق عليها الجميع.

وعلى نفس المنهج فالمطابخ الإعلامية اصبحت أكثر نفعا من حد السيف، بل تعتبر معركة اللحظة.

في العام ١٩١٦م وبعد فوز رئيس الولايات المتحدة ويلسون في الانتخابات الرئاسية، كان عليه أن يخوض حربا أوروبية ضد المانيا، قبل ذلك عليه أن يغير قناعة الشعب الأمريكي فيما يخص الحرب على المانيا، فعمل على انشاء لجنة اعلامية سميت آنذاك ( لجنة كربل) حققت هذه اللجنة نجاحا لافتا بتهيئة نفوس الأمريكان وغرست فيها الكراهية والحقد على الألمان.

هذا المثال يشخص لنا المدى الذي يمكن أن يصل إليه الإعلام، وقدرته على رسم قناعات القوى السياسية وفرضها على الشعوب لتبرير ما يسعون لتنفيذه.

اليوم الموقف يتكرر وبكثرة في الوسط العربي، لا سيما أثناء ما يسمى بالربيع العربي، وتسلسل الأحداث فيما بعد، والذي كان للإعلام الحظ الأوفر في احداث التغيير، وكان لقناة الجزيرة الحظ الأوفر من متابعة وصناعة الأحداث، حتى أن الكثير من السياسيين المناوئين للثورات كانوا يعتبرون ما يحدث على أنها "ثورة الجزيرة".

ثورة مضادة يصنعها الإعلام

أدرك من تم إبعادهم عن الحكم قوة الإعلام وقدرته على تغيير قناعات الشعوب، ولعب دور كبير في إزاحتهم، لذلك حاولوا العودة عن طريق الإعلام وما حدث بمصر في ٣٠ يونيو من العام 2٠١٣ لم يأتي نتيجة للأخطاء التي ارتكبها الإخوان والتي في نظري أيا تكون فلا ترقى إلى الخطر الذي يستحق الانقلاب على أول عملية ديمقراطية وليدة في البلد، ولكن استخدام الثورة المضادة الإعلام لشيطنة جماعة الإخوان، وإظهارهم كالوحش المفترس لأهداف ثورة ٢٥ يناير، والعمل على أخونة الدولة، هو ما جعل قطاع كبير يبني تصوره حسب ما تتناقله هذه الوسائل ومن ثم خرج إلى ميدان التحرير وبمساعدة العسكر؛ ليطالب بانتخابات مبكرة وبعزل مرسي.

 بعد اعلان الفريق عبدالفتاح السيسي الانقلاب سارعت الأجهزة الأمنية بإغلاق أكثر من ٢٠ قناة اسلامية، يأتي هذا التصرف نتيجة لمعرفة قادة الانقلاب بالقوة التي يمكن أن يحدثها الإعلام.

حتى اللحظة يرتكب الحكم العسكري ابشع الانتهاكات بحق الصحفيين والإعلاميين، هناك من الصحفيين من قتلوا سواء برابعة او غيرها، وهناك ايضا منهم من هو خلف القضبان، وقد عبرت منظمة مراسلون بلا حدود عن قلقها من استهداف الصحفيين والإعلاميين في مصر.

لقد اصبحت الحرب إعلامية أكبر من أن تكون سياسية وبهذا القدر تستفيد قوى من الحرب الإعلامية لتحقيق أهدافها، فمجرد أن تعلن قوى معينة عن خطورة جهة محددة، وتحشر عليها جملة من التهم في الوسط الإعلامي، ونتيجة لذلك فسرعان ما يسلم بها قطاع غير قليل من الشعب، دون التأكد من صحتها، والاستماع لوجهة نظر الطرف الآخر، ولأجل تهشيم الصورة أكثر فلا مانع أن تقوم بسلسة من العمليات الوحشية والتفجيرات داخل الأسواق، واستهداف شخصيات سياسية، وتلصقها بتلك الجهة التي تمثل خصمها، حتى تجعل الشعب يعطيها تفويضا لانتهاك حقوق الإنسان واستخدام العنف، وممارسة التعذيب والقتل خارج اطار القانون للأبرياء بمجرد مطالبتهم بحقهم المشروع والتظاهر السلمي لتحقيق ذلك.

أمريكا وحربها الإعلامية باسم الإرهاب

لو أتينا كذلك لما تقوم به والولايات المتحدة الأمريكية في حربها على ما يسمى "الحرب على الارهاب"

لوجدنا أنها تعتمد على الإعلام في تظليل الرأي العام لتجاوزها مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي، فقد استطاعت أن تحصل على ما تريد فهي اليوم تمارس هواية القتل عبر طائراتها من دون طيار. والغريب في الأمر حصولها على تعاطف شعبي حتى وهي تنتهك القانون والعرف الدولي.

ولولا شيطنة الجهة الأخرى وتصويره أمام الرأي العام على أنه العدو المدمر للأوطان، والمنهك للمجتمعات لما حصلت على ذلك التعاطف.

دعنا نقول أن من العدل القول إن كان هؤلاء مدانين فيجب القبض عليهم ومن ثم محاكمتهم محاكمة عادلة، ولينالوا بعد ذلك العقاب الذي يستحقونه.

في واشنطن تنظم مسيرات لمناهضة هذه العمليات. والسؤال لماذا؟

الإجابة على السؤال هو أن هذا التحرك لم يكن بوازع ديني، وإنما بوازع اخلاقي وانساني، لا سيما أن الشعب الأمريكي لا يعتمد على مصدر واحد للمعلومة، فهو يبحث ويشخص العملية من جميع النواحي، بعكس المواطن العربي تماما.

من المؤسف القول أنه لو تم استفتاء شعبي داخل الدول المستهدفة بالطائرات من دون طيار، وشمل الاستفتاء الولايات المتحدة الأمريكية حول ضربات الطائرات بدون طيار، لصوت المجتمع الأمريكي ضدها أكثر من الشعب المستهدف نفسه.

وتعود نتيجة كل ذلك إلى العقلية العربية التي تسلم بكل يأتيها من الإعلام وتصدق كلما يقال أو تكذب كلما يقال.