عبد الرحمن الجفري
بقلم/ نائف حسان
نشر منذ: 14 سنة و 8 أشهر و 8 أيام
الأحد 02 ديسمبر-كانون الأول 2007 09:11 م

كان في الـ 24 من العمر؛ حين غادر الجنوب كنازح إلى الخارج؛ حيث واصل حياته كطالب مجتهد، ثم كسياسي ورجل أعمال ناجح.

بعد خروجه من الجنوب نهاية الستينيات؛ درس اللغة الانجليزية وبرمجة الكمبيوتر وإدارة الأعمال في بريطانيا (73 – 1974)، ثم عاد إلى الخليج ليستلم إدارة شركة استثمارية.

والشاب الذي خرج من عدن كلاجئ عام 1967؛ عاد إلى صنعاء، مطلع التسعينيات، كقائد سياسي، كان حضوره لافتاً خلال السنوات الـ3 ، التي تلت إعلان الوحدة.

وظهيرة السبت الماضي؛ كان عبدالرحمن الجفري يتذكر بحرقة، في منزله جنوب العاصمة صنعاء، سنوات الغربة وعمليات الملاحقات والسحل، التي تعرضت لها أسرته، وأفراد حزب الرابطة في الجنوب.

يرتبط حضور الجفري، في الوعي الشعبي، بقرار إعلان "الانفصال"، لكنه يستطيع تقديم نفسه بصورة مختلفة. ومن يجلس إلى الرجل سيكتشف القوة التي صنعت له كل هذا الحضور. ودون أي تملق أو نفاق يمكن القول إنه يتمتع بحيوية سياسية وذكاء حاد.

يبدي الاستاذ عبدالرحمن الجفري تواضعاً وهو يتحدث عن نفسه، ويبدو في صحة جيدة رغم أنه يسير في عامه الـ64.

في هذا الحوار يتحدث الرجل عن أحداث بالغة الأهمية، ويطرح رأيه بعدد من القضايا والأحداث التي تعيشها اليمن اليوم.

* قبل أكثر من شهر قلت إن حواركم مع الحزب الحاكم أوشك على الانتهاء، وأن هناك خلافاً على قضايا قليلة، هل بالإمكان أن نعرف إلى أين وصل الحوار في القضايا المختلفين عليها خاصة وأن هناك لقاءات بينك وبين رئيس الوزراء من أجل ذلك؟

- الحقيقة كان فخامة الرئيس وجه رئيس الوزراء للاجتماع بي للاستماع والنقاش حول رؤيتنا للإصلاحات الشاملة. وما يخصه كرئيس للوزراء يعمل على تنفيذ ما يستطيع تنفيذه: جانب اقتصادي،

* كانت آلية الوحدة خربة وعلى الرئيس أن يشكل حكومة وحدة وطنية لتنفيذ الاصلاحات

جانب اجتماعي، لأن مشروعنا لم يقتصر على الناحية السياسية وإنما شمل الناحية الاقتصادية بالتفصيل، والنواحي الاجتماعية يمكن بتفصيل أكثر، نواحي التطرف.. نواح كثيرة، وبقيت بعض القضايا المحورية في الناحية السياسية، التي لا زال معظمها الآن تناقش مع فخامة الرئيس بعد أن انتهينا من النقاش لـ 9 أشهر مع الأساتذة الكبار، الدكتور الإرياني، والأستاذ عبدالعزيز عبدالغني. [نقاشاتنا] كانت رائعة لأن الحوار لم يكن يستهدف تسجيل نقاط أو مماحكة، كان الهدف أن نحاول الوصول إلى رؤية موحدة ولهذا عندما نختلف لا نصرح بخلافاتنا، لأن بلادنا لا تحتمل تسجيل مواقف.

التقينا بالرئيس في رمضان بحضور الأخ أمين عام الرابطة وأنا، وبعد أن انتهينا من معظم القضايا المحورية، الرئيس تقدم علينا خطوة بإعلانه المبادرة. وميزة المبادرة ليس في القضايا التي طرقتها فحسب، بل في أن الرئيس يريد أن يحول القضايا المطروحة منا ومن غيرنا، إلى فعل. وهي مبادرة لأنه طرحها في شكل توجهات لتعديلات دستورية. هذا الجديد. وكان لابد أن نبادر نحن أيضاً، أولاً بالترحيب بهذه المبادرة، ثانياً أن نخطو خطوة إلى الأمام باتجاه الأخ الرئيس وحزبه ودولته في أن نجهز ما تحتاجه هذه المبادرة من تعديلات دستورية أو قوانين، لهذا بدأنا بأهم قضيتين، وهما قضية التعديلات الدستورية، وشملت التعديلات التي حددناها، وهي موجودة في السابق في نفس مشروعنا [الذي طرحناه] قبل سنتين. لكن حدثناها بما يستوعب ما طرحه الأخ الرئيس وما يستوعب باقي قضايا الإصلاحات. فصارت التعديلات الدستورية شاملة اليوم موضوع الحكم المحلي كامل الصلاحيات، الذي طرحناه في شكل قانون أو مشروع قانون عام 97، ودعونا إخواننا في جميع الأحزاب إلى ندوة أدارها الأستاذ محمد جسار والأستاذ أحمد بن الشيخ أبو بكر من قبل الرابطة، وحضرها من جميع الأحزاب، وطرح فيها مشروع الرابطة الذي نوقش على مدى 9 أشهر.

  * التعديلات التي تقدم بها الرئيس كانت جيدة من وجهة نظر كثيرين.

- نعم ما في شك أنها ممتازة.. يجب أن نكون واضحين.

* كيف تقرأ موقف المشترك المعارض لمبادرة الرئيس والتعديلات التي قدمها؟

- [هم] سجلوا موقفاً. المهم في كلام الرئيس إنه جاء بعد الانتخابات كي لا يقال أنه دعاية انتخابية. بعد الانتخابات طرح الرئيس موضوع انتخاب المحافظين ومدراء المديريات وصارت ضجة عليه: قيل إن القبائل سيتقاتلون! طيب، لماذا يتقاتلون وهم لم يتقاتلوا على انتخاب رئيس جمهورية هل سيتقاتلوا على محافظين؟ هذا مجرد عذر فاضي. قلنا: طيب المناطق التي تعتقدون أنه سيصير فيها قتال عينوا لها محافظين، لكن لا يصح أن نترك اليمن كلها لأن مناطق سيحصل فيها قتال. ولا أعتقد أن القبائل سيتقاتلون لأنهم أحوج من المدنيين إلى حياة آمنة مستقرة كونهم يعيشون دائماً في حالة استنفار.

* ألا تعتقد أن هؤلاء، الذين في السلطة ولم يعجبهم هذا المشروع، سيعملون على إعاقته؟

- الرئيس فيه ذكاء يُغبط عليه ممن يوده، ويحسد ممن لا يوده. بعد الانتخابات بقليل؛ دعا الرئيس إلى اجتماع مع المجالس المحلية الجديدة لعدن ولحج وأبين والضالع، وقال إن توجهه هو تحويل المجالس

* هناك أزمة في الجنوب ويجب أن تعود أراضي وحقوق وممتلكات الناس

المحلية إلى حكومات محلية؛ أي أنه سبق موضوع انتخاب المحافظين وتعداه بكثير: قال إن ذلك التحول سيتم في 2010، بحيث ستنتقل جميع الصلاحيات المركزية إلى الحكومات المحلية، ولا يبقى في المركز إلا الصلاحيات السيادية، وهذا الكلام أعتقد أنه أخطر وأهم وأجمل ما قاله علي عبدالله صالح في تاريخ حياته السياسية؛ لأنه تغيير في مفهوم الحكم وقبول في تغيير مفهوم الحكم من رئيس دولة.

نعم سيعيقون أو يحاولون الإعاقة، لكن كلما سيمشي الرئيس في هذا الطريق أكثر، وأسرع وأسرع وأسرع، وأنا أركز على أسرع، سيتحقق هدفان: 1 - المعترض لن يلحق. 2 - ستمنع مصائب أكبر للبلد كله. والبطء سيمكن المعترض من حزبه [الرئيس] أو من أحزابنا نحن المعارضة، من أن يعيق [ذلك التحول].

* اعتراض المشترك على مبادرة الرئيس وطرح برنامج للإصلاحات الشاملة جوهر النظام فيه برلماني.. هل ترى أن الحل لمشاكل البلاد هو في الاختيار بين البرلماني والرئاسي؟

- الذي يحل إشكالات البلاد هو مجموعة إصلاحات مع بعضها وليس انتقاء. النظام الرئاسي وحده لا يحل شيئاً، النظام البرلماني وحده كذلك، المختلط لا يحل شيء، القائمة النسبية وحدها لا تكفي، يتضمن الحل مجموعة قضايا طرحناها نحن، وهي: حكم محلي كامل الصلاحيات، نظام الحكم، ونحن طرحنا خيارين: رئاسي أو برلماني، ورجحنا الرئاسي، وسأقول لماذا، ونظام مجلسين يحقق توازناً ويمنع الفوضى، أحدهما على أساس التعداد السكاني، والثاني يكون بالتساوي، إضافة إلى القائمة النسبية للانتخابات. ماذا نريد من الرئاسي؟ وماذا عن البرلماني؟ نريد شفافية ومحاسبة للمخطئ. الآن الأمور ضائعة. الرئيس لديه صلاحيات ورئيس الوزراء لديه صلاحيات، لكن الرئيس لا أحد يحاسبه ويُحاسب رئيس الوزراء.

هل يتصور أحد في طبيعة بلادنا أن الرئيس، سواء علي عبدالله صالح أو غيره، سيقبل الجلوس في دار الرئاسة ليوقع بروتوكولات؟ هل هذا معقول؟ ممكن أتصور رئيساً في يده كل الصلاحيات وأحاسبه، ولا أجعل الصلاحيات مخلوطة بين الرئيس ورئيس الوزراء، وأحاسب رئيس الوزراء والرئيس لا. لا يوجد نظام أكثر شفافية في العالم كله من النظام الرئاسي. نحن متفقون على الفصل بين السلطات، لكن النظام البرلماني لا يحقق هذا الفصل بين السلطات، لأن من يشكل الحكومة هي الأغلبية في البرلمان، يعني البرلمان يحاسب نفسه. ورئيس الوزراء يعين القضاة في النظام البرلماني، أما في الرئاسي فيتم انتخابهم. لا يتحقق الفصل التام [بين السلطات] إلا في النظام الرئاسي. لا محاسبة حقيقية في بلدان كبلداننا إلا في النظام الرئاسي. البلدان المتقدمة، كبريطانيا مثلاً، لها ضوابط أخرى.

* هناك من يعتقد أنك ستكون شريكاً في المرحلة القادمة، لتطبيق الإصلاحات..

- أتمنى أن يشترك الجميع.

* أقصد أنك ستكون شريكاً فعلياً في الحكم.

- أنا ما عندي خبر.

مبادرة الرئيس متقدمة

* تردد أن لك دوراً في المبادرة التي تقدم بها الرئيس.. ما مدى صحة ذلك؟

- أبداً أبداً. علينا أن نفرق بين شيئين: قضايا نطرحها نحن وغيرنا، وبين رئيس دولة أخذ تلك

* أنا كاتب أسس وثيقة العهد والاتفاق وما يطرح الآن متقدم عليها والتمسك بها عملية مماحكة

ال قضايا وتقدم خطوة وعمل مبادرة. المبادرة في نظري ليست في طرح قضايا الحكم المحلي، وليست في طرح النظام الرئاسي، وليست في طرح قضية المجلسين.. هذه قضايا مطروحة من زمان، لكن المبادرة هي في أخذ هذه القضايا خطوة إلى الأمام؛ بالعمل على تحويلها إلى تعديلات دستورية. هنا المبادرة. في الحقيقة أنا ما كان لي دور في هذا ولا للرابطة. نحن كان لنا دور في القضايا التي ناقشناها مع الرئيس واتفقنا عليها، لكن تحويل تلك القضايا إلى فعل يؤدي إلى تعديلات دستورية، هذه، في الحقيقة، خطوة تخص الرئيس. الرئيس بمبادرته حول تلك القضايا إلى فعل وهنا أهمية مبادرته.

* يقال إنه سيكون لك دور في المرحلة القادمة على حساب أطراف أخرى خرجت من السلطة..

- (مقاطعاً) أقسم بالله العظيم ليس لي علم بذلك. إفهموني؛ أنا إنسان صريح، وليس عندي شيئاً أخبئه، وليس لدينا ما نخجل منه، وليس عيباً أن أكون شريكاً. أي حزب لا يسعى إلى السلطة يترك [العمل السياسي] ويروح يفتح جمعية تعاونية. أنا أسعى إلى السلطة، ولكن بطرق مشروعة.

* لكثير من القيادات الجنوبية وكثير من قيادات الأحزاب موقف ضد المبادرة التي تقدم بها الرئيس، ومع وثيقة العهد والاتفاق.. أنت لك موقف مختلف: تعتبر أن ما يطرح الآن، سواء في مبادرة الرئيس أو غيرها، متقدم على وثيقة العهد والاتفاق..

- (مقاطعاً) متقدم عليها بكثير..

* (مقاطعاً) برأيك ما سبب تمسك هذه القيادات الجنوبية وبعض القيادات الحزبية بوثيقة العهد والاتفاق؟

- لا يقرؤون.

* صحيح ما يطرح اليوم متقدم على الوثيقة.. أنت أول سياسي يقر بذلك؟

- (مقاطعاً) أنا كاتب أسس الوثيقة وليس غيري. وهذا ليس تبجحاًً أو مدحاً شخصياً. الأستاذ عمر الجاوي كان عنده الشجاعة أن يقول هذا الكلام ويعترف به في صحيفة التجمع. وثيقة العهد والاتفاق أنا عارف اللي فيها وعارف الخلاف اللي صار بيننا وبين السلطة حولها. السلطة، المكونة آنذاك من المؤتمر الشعبي والتجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني. أعرف القضايا التي اعترض عليها الثلاثة. هناك قضايا أساسية، لم نبت فيها، ونحن الذين كتبنا المخرج من تلك القضايا بحلول وسط: إحالة تلك القضايا إلى لجان.

* ما تلك القضايا محل الخلاف؟

- حسناً سأجيبك؛ الوثيقة تنقسم إلى قسمين: قسم اسمه معالجة التداعيات الأمنية بين الاشتراكي وبين المؤتمر، هذا انتهى يا إخوان..

* كان هذا قسماً كبيراً.

- أخذنا في مناقشته إلى 18 ديسمبر، حوالي شهر ونصف. والقسم الثاني يتعلق بأسس بناء الدولة

* اللي قتل في الضالع جنوبي واللي تحدى جنوبي واللي أمر بإطلاق النار في حضرموت جنوبي، لكن المواطن العادي يرى السلطة في اللي فوق

وأخذنا فيه شهراً، من 18 ديسمبر إلى 17 يناير. كل قضايا التنظير كنا متفقين عليها. وحين وصلنا إلى قضايا رئيسية: نظام الحكم، نظام الدولة- هل مركبة أم بسيطة- نظام الحكم المحلي. اتفقنا على الحكم المحلي بلا صلاحيات تفصيلية. وبقية القضايا اختلفنا [حولها] وأحلناها إلى لجان. هكذا مكتوب في الوثيقة. نظام الانتخابات كنا طارحين القائمة النسبية، والثلاثة [أعضاء الحكم حينها] كانوا يرفضون. يقول لي الرئيس إنه كان طارح عملية الانتخابات بالقائمة النسبية من 1992، مع الاشتراكي وقال: اسألوهم مازالوا أحياء وهم الذين رفضوا. أنا ما أدري ولا أستطيع أن أشهد، هذا كلام الرئيس. بالنسبة لنظام الحكم هل هو رئاسي أم برلماني.. لم نتوصل إلى حل، وأحيل هذا كله إلى لجان.

في عدن عملت مخارج لذلك علشان نخلص، وأحلنا ذلك إلى لجان غير سياسية، متخصصة، قانونية.. لترى ما هو الأفضل. كلام لا يوصل إلى مكان، صدق، وأنا عارف، لكن رأينا أن الموضوع سيطول ونوصل إلى مجزرة، وهذا الدكتور المضواحي موجود، والسفير أحمد كلز موجود. درست الأمر في الليل وخرجت بحوالي خمس نقاط فيها حلول.. طبعتها في الفندق وطرحتها لهم بعد أن صحيتهم في الليل وقلت: "يا دكتور، يا إخوان، نحن التكتل الوطني للمعارضة نعمل كفريق واحد، أنا هذا جهد مني عملته، إن رأيتموه مناسباً خذوه، وزعوه على الإخوان في الحوار، بحيث نأتي بعد العصر إلى الحوار، وهم جاهزين قد قرأوه، وإن رأيتم فيه تعديلات عدلوه، رأيتم فيه غلط، ارموه". أخذوها كما هي ووزعوها، وفي الحوار جئنا ناقشنا وكانت النقطة الوحيدة التي بقينا مختلفين حولها، هي آلية التنفيذ.

كان الحكام الثلاثة [المؤتمر الاشتراكي، الإصلاح] يرون أن الآلية هي الحكومة القائمة آنذاك. قلت لهم: حكومة لم تستطع أن تجمع الرئيس ونائبه في 100 متر مربع آمنة من ضمن 550 ألف كيلو متر مربع، كيف تستطيع تنفيذ هذا؟ أصروا ورفضنا أن نوقع أنا والجاوي. فوجئنا ثاني يوم بأن يعلنوا في التلفزيون أن الورقة قد اتفقنا عليها. تصايحنا ورفضنا أن نوقع أنا والجاوي، جاؤوا يبوسوا رؤوسنا وقالوا إن الأوضاع با تنفجر وما أدري أيش.. فكتبت أنا: "نعم أنا شاركت في صياغة هذه الوثيقة"، وكتب الجاوي: "نعم وأنا شاركت ". وخرجنا وأعلنا أن هذه [الوثيقة] فاشلة وأنها لن تنفذ، وأن الجميع في السلطة ضدها، وأنهم يستخدمونها كقميص عثمان، وأن معركة "صفين" قادمة.. بالمفتوح وأذيع موقفنا هذا من تلفزيون عدن وإذاعة الـ بي بي سي.. إذن، هذه وثيقة العهد يا سيدي التي يتكلمون عنها.

* كيف تفسر تمسك الناس بها الآن خصوصاً في الجنوب ؟

- هي عملية مماحكة. السلطة تشعر بالغيظ منها، والمعارضة تريد إغاظة السلطة. والحقيقة، لا يقرها الطرفان، السلطة لو قبلت بها هم سيرفضونها. ما يجري قد تجاوزناه. أنت حينما تقرأ قانون السلطة المحلية اليوم ستجد أنه متقدم عن قانون الحكم المحلي، الذي وصلت الأحزاب إليه في 1997. إشكاليتنا أن لا أحد يقرأ، وإذا قرأنا نقرأ العناوين، وأنت تعرف أن العناوين قد تكون متوهة.

* ما الذي يجري اليوم في الجنوب؟

- هناك أزمة في الجنوب، لا يجب أن نغفلها، لا يجب أن ننكرها. هناك مظالم في الجنوب لا شك، وكان بالإمكان تفادي كل هذا، لو أن الإخوان في السلطة تحركوا وحاولوا إزالة تلك المظالم منذ أن رفع الناس مطالبهم، لكن للأسف تم التجاهل التام لأنين الناس، فتحولت المواضيع من مطالب حقوقية أو مطلبية إلى مواضيع سياسية.

* برأيك ما هي الآلية التي يجب أن تسير عليها السلطة لحل هذه الأزمة؟

- يحاول الأخ الرئيس حل الموضوع، أو حل بعض المشاكل، أنا في اعتقادي هناك خطان يجب أن يسيرا معاً في الحل: الخط الأول؛ المظالم يجب أن تعود إلى أصحابها أينما كانت: أراضي الناس، ممتلكات الناس، حقوق الناس الوظيفية، يجب أن تعود. الخط الثاني الشروع الفوري في عملية الإصلاحات الشاملة. دون هذا حتى لو أطفأوا نيران المظالم ستبقى نيران أخرى مشتعلة في اليمن.

* ما الذي يعيق تطبيق الإصلاحات الآن، والبدء فيها بشكل جاد؟

* اعترضنا على أسلوب إدارة المخابرات المصرية لقضية بلادنا فصرخ المذيع أحمد سعيد: "اقتلوا الرابطيين.. اسحلوهم.. لا تسمحوا بأن يقبروا في مقابر المسلمين"

- يا إخواننا، بوضوح، ليس عندنا خيار في اليمن، كلنا أينما كان موقعنا سلطة، خارج سلطة، صحفي، كاتب، موظف، حتى الشحات في الشارع، ليس عندنا خيار ثان غير الإصلاحات الشاملة أو التمزق. أنا قلت قبل 6 أشهر إن البديل للإصلاحات الشاملة مجرد التفكير فيه أمر مرعب. قد تبدأ مصائب لا نعرف أين ستنتهي.

الشروخ الوطنية

* اليوم [24 نوفمبر] هناك تأبين في الحبيلين لضحايا المنصة.. قيل إن سيارة شوهدت الصباح تجوب شوارع الحبيلين بمكرفونات تغني: برع يا استعمار! برأيك إلى أين سيوصلنا هذا؟

- أيام الحرب [في1994] لم يكن موجوداً هذا. ما الذي أوجده الآن؟ أيام الحرب كان إخواننا

الشماليون موجودين معنا في عدن، اسألوهم.. كنا نقول، وفي أول تصريح أنا أدليت به، إن انفصالنا عن النظام وليس عن الوطن. وكان هناك إخوان شماليون موجودون معنا.. كنا بمنتهى الأخوة، وخرجنا بمنتهى الأخوة.. اسألوهم.. هم موجودون.. اسألوا أصحاب المؤتمر الشعبي، قيادته. أيام كنت في عدن؛ اتصلت بهم وقلت لهم: "أنتم في أمن لا تخشوا من أحد، وهذه تلفوناتي الشخصية، أينما أكون وأي واحد يتعرض لكم اتصلوا بي، أنتم أحرار في حزبكم، في توجهكم، أوقفوا ضدنا مش مشكلة". هؤلاء أحياء ولا زالوا قادة. إذن الذي يجري اليوم شيء ثاني.

* ما الذي أدى إلى هذا الشرخ الوطني؟

- أولاً كان هناك تعامل غير سوي، يجب علينا أن نعترف. وهذا التعامل الغير سوي لابد لمن زاولوه أن يُبعدوا من الصورة. ثانياً؛ لاشك أن هناك، في كل بلد، مجموعة من الناس لديهم ضغينة معينة، لديهم مشكلة معينة، فبدأوا ينفسون عنها بطريقة معينة، ثم جاءت عدم الاستجابة، والضرب والعنف، فتوسع الاحتجاج. لم يكن هناك داع لما حصل في المنصة في ردفان، فالحكاية كانت بين مسؤول والناس: أحد المسؤولين الكبار، في 13 أكتوبر، قال لعدد من المنظمين لاعتصام المنصة: با ألبس ثياب نسوانكم إن بكرة عملتوها [يقصد تنظيم المهرجان].. ردوا عليه: واحنا با نلبس ثياب مرتك إذا لم نعملها. بدأت هكذا. في حضرموت لم يكن داع للضرب. نفس الشيء في الضالع: أطفال وشباب رموا سيارة مدير الأمن بالحجارة، فنزل يضرب رصاص! لا أريد أن أوجه التهم على أساس شمالي جنوبي، مع أن هؤلاء جنوبيون: اللي قتل في الضالع جنوبي، واللي تحدى جنوبي، واللي أمر بإطلاق النار في حضرموت جنوبي، لكن المواطن العادي يرى السلطة في اللي فوق.

* هؤلاء جنوبيون أصحاب مصالح، لكن من يتحمل المسؤولية المباشرة، عن هؤلاء؟

- كلهم: الطرفان، السلطة كلها، والمسؤولون نفسهم..

* أنت الآن شخصية عقلانية إلى حد كبير..

- (مقاطعاً وهو يضحك) طول عمرنا عقلانيون. إقرأ جميع أدبياتنا ولن تجد فيها شطحاً. حتى أيام الاستعمار كنا عقلانيين.

الرابطة والقضية الجنوبية

* من يقود الآن الجنوب؟ كان هناك صراع ما بين الرابطة والاشتراكي والرابطة كانوا أكثر تشدداً..

- (مقاطعاً) أكثر تشدداً في ماذا؟

* في الدعوة للانفصال.

- غير صحيح يا إخواني. ألا تقرؤون..؟

* بن فريد قدم استقالته من الرابطة وهو الآن متشدد في مسألة الانفصال.. هذا نموذج.

- غير صحيح. هذا زي ولدي وأنا ربيته سياسياً، كان أكثر المتشددين للوحدة ونحن في الحزب، ولما خرجنا كنا مع بعض مع هذا الرأي وهو الرأي المعتمد في الرابطة. هو شاب متحمس. أيضاً قد يكون عايش الأمور وأثرت فيه.. قد يكون رأى مظالم في من حوله وعبر عنها في مجلة "اليمن" وهي مجلة محكمة صادر عن مركز البحوث والدراسات بجامعة عدن؛ وفيها دراسات وأبحاث تنصف الرابطة والفصل الأخير فيه عن الرابطة وعن الوحدة، عن الاتفاق الذي تم بين الإمام أحمد والرابطة بشأن الوحدة، وفي نفس الوقت الاتفاق مع الأحرار.

* لكن نشأتكم في البداية كانت جنوبية.

- نعم. ومن ينكر هذا؟ الأحرار نشأتهم شمالية؛ إعطني بياناً للأحرار في تاريخهم كله ذكروا فيه قضية الجنوب، في الوقت الذي نحن نذكر قضية الجنوب ونذكر الشمال وسأثبت هذا الكلام. نحن أول حركة وطنية قامت أو بدايات حركة وطنية كانت في سبتمبر 1940، وتأسست في الرواق العباسي في الأزهر، ما أسمي في ذلك الوقت بكتيبة الشباب اليمني الأولى من مؤسسيها: محمد علي الجفري،

الشهيد الزبيري، الأستاذ النعمان، محمد صالح المسمري، سالم الصافي، رشيد الحريري.. مجموعة من الشباب. أتعرف من كتب نظامها الأساسي؟ إنه محمد علي الجفري، ومسودة النظام الأساسي بخط محمد علي الجفري موجودة في مكتبة الأستاذ النعمان، واسألوا أولاده. بعد ذلك عاد الإخوان الذين من الشمال إلى الشمال، فوجدوا أنهم لا يستطيعون أن يتعاملوا مع قضية الجنوب، لأنهم يريدون مكاناً يهربون إليه إذا صار لهم شيء فتعاملوا مع قضية الشمال وشكلوا تنظيمات دون أن يشعروا آخرين من الجنوب: شكل الزبيري هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم تشكل الاتحاد اليمني، ثم شُكلت الرابطة. ومع ذلك حصل اجتماع بين الرابطة والأحرار، حضره محمد علي الجفري والسلطان علي عبدالكريم وشيخان الحبشي، وعن الأحرار حضره الشهيد الزبيري والنعمان ومحسن العيني. والشهود من الأحياء هم العيني والسلطان علي عبدالكريم. وتم التوقيع على اتفاق في القاهرة، في بيت السلطان علي عبدالكريم، أن الرابطة عليها الجنوب، تهتم به، بطريقتها، والأحرار عليهم الشمال، ومن ينتصر أولاً يساعد الثاني، ليلتقوا في وحدة مستقبلاً. والرابطة وقعت اتفاقاً مع الإمام أحمد في الصليف، اتفاق الصليف.

 * أيش كان ينص هذا الاتفاق؟

 - إقرأ عنه في مجلة اليمن التي حدثتك عنها عدد مايو 2007.

 * حدثنا عنه باختصار من أجل القراء.

 - باختصار: الرابطة تهتم بالجنوب، على أن الجميع متفقون على وحدة اليمن الطبيعية. أيضاً لم يسبق أحد في التاريخ الرابطة بتسمية اليمن، باليمن الطبيعية.

 * في الخمسينيات؛ تكونت في مصر رابطة للطلاب اليمنيين، ويقال إن ممثلي الرابطة خرجوا منها بسبب تعريف اليمني أو من هو اليمني؟

 - اليمنيون كانوا يعرفون بأنهم مواطنو المملكة المتوكلية، هكذا، ثم بعد ذلك مواطنو الجمهورية العربية اليمنية. هذا التعريف الرسمي. ونحن في الجنوب كان تعريفنا أننا مواطنون بريطانيون، الذين هم سكان عدن ومحميات بريطانيا. عندنا جواز لمواطني عدن "بريتش ستزن"، وجواز مواطن المحميات الغربية، وجواز قعيطي وجواز كثيري، وورقة مرور المهرة. كان عندنا 23 دولة، ومن أجل تمر من حضرموت إلى عدن، كنت تمر على 5 أو 6 نقاط جمارك. الرابطة كانت تفكر: أن نضمن أولاً وحدة الجنوب وهذا شيء طبيعي، ثم وحدة اليمن الطبيعية. الإخوان الآخرون قالوا: " أي قيام للدولة في الجنوب خيانة عظمى". ثم هم من أقاموا الدولة في الجنوب.. قلنا: "لا.. قيام دولة في الجنوب مرحلة يجب أن نمر بها، كيف نتوحد إذا لم تكن هناك دولة وهنا دولة؟". وهذه محاضرة لمحمد علي الجفري سنة 1956 تعريف الجنوب العربي (يمد لنا بنص المحاضرة)؛ فنقرأ: "في واقع الأمر بدأ في مصطلح الحركة الوطنية في الجنوب، يطلق الجنوب العربي على اليمن الطبيعية بكافة أجزائها ونواحيها". هذا سنة 56 ألقاه رئيس الرابطة في نادي الطلبة الكويتيين.

 ... أكمل..

  * نواصل القراءة: "فحدود الجنوب العربي إذن هي المملكة العربية السعودية شمالاً وبحر العرب جنوباً والخليج العربي شرقاً والبحر الأحمر غرباً، وبذلك يشمل الجنوب العربي، المملكة اليمنية المتوكلية، وعدن وما يسمى بمحمياتها الشرقية والغربية وعمان". (يضحك مع انتهائنا من قراءة الفقرة)..

 - ها.. نحن الانفصاليون؟ يقول أحمد سعيد إسحلوا الرابطيين، يقولوا الرابطة كلاب بأمر من أحمد سعيد، مذيع، لا يعرف اليمن.

 شروخ الهوية

  * الآن يا أستاذ هناك شروخ سببتها مجموعة إجراءات، والنغمة المناطقية ارتفعت، فهل تعتقد أن مشروع الإصلاحات السياسية قادر على حل هذه المشكلات؟

 - نعم، لكن الإشكالية في سرعة التنفيذ، لهذا أشدد على السرعة، وإذا أبطأنا لن نحلها، ولن يكون هناك شمال وجنوب أصلاً. الله يستر، سنواجه أكثر من شمال وجنوب. الشرخ في الهوية سيستمر،وسيتسع، إن لم نسارع في تنفيذ عملية الإصلاحات، سنحتاج أن نعدل الدستور بسرعة.. نصدر قانون الحكم المحلي، ونعدل مجموعة قوانين، ونبدأ بأهمها: القانون المالي، القانون القضائي، قانون الأمن.. لازم تتعدل هذه القوانين وبسرعة لتتناسب مع التعديلات الدستورية ومع ما طرحه الأخ الرئيس ومع ما طرحناه، دون هذا الله يستر.

  * بالنسبة لما يحصل الآن في الجنوب، هناك اختلاف على التسمية: هناك من يقول قضية جنوبية، ومن يقول هناك مظالم، والمظالم عامة تشمل اليمن ككل.. هل هناك خصوصية لما يجري في الجنوب؟

 - هي بدأت مظالم، لكن كان في النفوس شيء بسبب التعامل.

  * هل هناك قضية جنوبية؟

 - إفهمني؛ تحولت من مظالم إلى قضية يسمونها قضية جنوبية. أنا لست مع هذا الخط، لكن مع حل القضية الجنوبية، يعني مع إزالة العوائق.. إزالة المسببات.. إزالة ما أدى بالناس إلى هذا الحد، وأنا أعرف كثيرين منهم كانوا أشد وحدودية من أي واحد في السلطة اليوم، ومنا كلنا.. ما الذي تغير؟ إذن عليَّ أن أزيل ما دفع الناس إلى هذا. يجب أن نتوقف عن التعامل بتشنج مع ما طرح. أنا قلت عدة مرات: الوحدة ليست صنماً نعبده ولا هي حائط مبكى نلقي بمخلفاتنا عليه. الوحدة هدف سام عندما تتحقق تتحول إلى وسيلة سامية لتحقيق آمال الناس، كرامة الناس، حرية الناس.. نتعامل معها على هذا الأساس.

 يجب أن ندرك أن المشكلة في عدم المسارعة في الحلول، وأنا في جلستي مع الرئيس شعرت أنه متجه إلى الحلول، لكن الإشكالية في من يتولون تنفيذ هذه الحلول ومن يكلفون بها. ليس الحل أن أخطئ من يدعو إلى الانفصال فقط. أقول إنه خطأ تمام، لكن هذا لا يكفي. في نفس الوقت واجب عليَّ قانوناً وشرعاً وعرفاً ووطناً، أن أبحث عن الذي جعل من كان يقول "وحدة وحدة حتى الموت"، يتغير. عليَّ أن أعالج الأسباب، وأعتقد أن هذا هو المنهج العقلاني، والرباني حتى، أي أن أعالج السبب، أعالج الدافع، واجب علينا هذا.

 عودتنا لم تكن إنسانية بل سياسية

 * أستاذ عبدالرحمن سأسألك سؤالاً مباشراً: لماذا عدت؟ ما الذي جد؟

 - إشكالية حزب الرابطة في تاريخه كله أنه تعرض للتغريب، منذ بداية تأسيسه، فلم ينف أحد في تاريخ اليمن نفياً رسمياً بقرار سوى الرابطيين، حيث نفي المرحومان محمد علي الجفري، وشيخان الحبشي في 1956، وعام 1958 نفي المرحوم عبدالله علي الجفري إلى جزيرة سقطرى، وظل في خيمته هناك 6 أشهر، ثم خيروه إلى أين يتم نفيه فاختار الشمال، وظلت القيادات منفية حتى قرب موعد الاستقلال. عدنا سنة 1965، ونفينا نفياً قهرياً للمرة الثانية، وكانت أول منازل تتعرض للتهديم (كحركة منظمة) هي بيوت قيادات حزب الرابطة، ثم تلاها تغريب جديد لحوالي 23عاماً، لنعود في 13مارس 1990، وبعد 4 سنوات جاءت الحرب.

 هذا يعني أننا لم نستقر في البلد سوى عامين، وعامين، و4 أعوام، بإجمالي 8 أعوام من 57سنة هي عمر الحزب.. ألا تريد مني أن أفكر في العودة إلى الوطن حال خروجي؟

 هذه الحالة من التغريب هي التي جعلت من حزب الرابطة حزب الطروحات الفكرية الرائعة، التي لن تجد ما يوازيها في أي حزب آخر، لكن عدد أعضاء الحزب لايتلاءم مع مستوى العطاء الفكري، وكما كان يقول الأستاذ شيخان الحبشي، رحمة الله عليه، نحن رأس كبير وجسم صغير. نحن لاندعي أننا نكتسح الساحة بعدد أعضائنا، على العكس من ذلك نحن ندرك أننا نعاني من هذه الإشكالية، ولنا أسبابنا. لقد مرت مراحل تاريخية كانت فيها كل الأحزاب والحكومات، في الشمال والجنوب، ضد الرابطة، وتعرضنا للقتل والسحل. أول شخص تم سحله في عدن هو علي عبدالرحمن الجفري، سحل ظلماً وقتل داخل المسجد، وهو يتجاوز الـ56 من العمر، اتهموه بأنه أطلق النار على جنازة أبناء المكاوي، وثبت كذب هذه التهمة.

 كان المذيع أحمد سعيد يصرخ: "اقتلوا الرابطيين.. اسحلوهم.. لاتسمحوا بأن يقبروا في مقابر المسلمين". كل هذا لأننا اعترضنا على أسلوب إدارة المخابرات المصرية لقضية بلادنا. كنا مع عبدالناصر منذ البداية، من1956، واشتغلنا مع مصر، ولدي صورة مع عبدالناصر وأنا شاب صغير، حينما ألقيت خطاباً نيابة عن اليمن كلها، في 22فيراير 1959، في الاحتفال الأول بعيد قيام الاتحاد العربي. القضية أننا اعترضنا على أسلوب إدارة قضية: قلنا للمخابرات المصرية أولاً هذه قضيتنا نحن وأنتم تساعدونا، وثانياً نحن نقرر ماذا نختار. وحين اعترفت بريطانيا باستقلال الجنوب، ووافقت على قرارات الأمم المتحدة أمام العالم أجمع، وهو القرار الوحيد لتصفية الاستعمار الذي نال إجماعاً من شرق وغرب وعرب وعجم، وحددت يوم 8يناير موعداً لخروجها من عدن، قلنا إنه يجب أن يقف القتال لأنه ليس هدفاً بل وسيلة، وإذا انتفت أسبابه يصبح محرماً شرعاً.

 * هل الحنين إلى الوطن فقط هو سبب عودتكم أم أن هناك اتفاقات سياسية؟

 - حسابات سياسية نعم، لكن ليس هناك أي اتفاق. نحن نسير بحسابات سياسية ونديرها كعلم، ندرس كيف يسير العالم. منذ يوم خروجنا قررنا أن تكون عودتنا عودة سياسية، وهذا الكلام منشور في أكثر من وسيلة إعلامية. قلت مرات ومرات إننا لن نعود عودة إنسانية، بل عودة سياسية، وكنا نحسب الظروف التي تجعل من عودتنا عودة سياسية.

 * ما هي هذه الظروف؟ هل هي الانتخابات الرئاسية؟

 - نعم الانتخابات الرئاسية. نحن واضحون تماماً ولا نخفي شيئاً.

  * ارتبطت عودتك بمساندة الرئيس في تلك الانتخابات.

 - لا. ارتبطت، في البداية، بخلاف مع الرئيس. قبل أن نعود بثلاثة أيام حدثت محاولات للعب على بعض أعضائنا كي يوقعوا على تسجيل مواقف مساندة، فكان ردنا قوياً، وحدث تواصل مع رئيس الجمهورية، قلنا فيه: إن موقفنا يمكننا أن نعلنه نحن من داخل اليمن، لأننا نؤمن أنك الأفضل بين المرشحين، ولو أن هناك من هو أفضل منك من المرشحين لاخترناه. والرئيس يعلم أننا لم نطرح أي شرط لا شخصي ولا لحزبنا. نحن ندرك أنه ليس عيباً أن نشترط، وليس عيباً أن نستلم ثمناً سياسياً لموقف نتخذه، وقلنا له [الرئيس]: "قد تكون سذاجة أن نعود هكذا [دون شروط]، لكن الوقت ضيق ونأبى على أنفسنا أن نستغل ذلك، ولنا أمل أن تقود عملية إصلاحات شاملة".

 الرئيس أنسب شخص..

  * قلت إنه الأنسب بين المرشحين. على أي أساس بنيت رأيك هذا؟

 - بنيته على قراءتي لموازين القوى في البلد، على حسابات أمن البلد. أنا لا ألعب على عواطف الناس. أنا واضح وأعرف أن هناك معترضين على سياسات الرئيس. أنا معترض على كثير من سياساته، لكني أقول إن هذا الرجل هو الأنسب لتأمين بلادنا في هذه المرحلة، ومن لديه بديل فليقل لي من هو الأنسب؟ سألت الأستاذ الفاضل محمد عبدالملك المتوكل، وأنا أحب هذا الرجل ولا أحد في السلطة يحبه، لنفترض أنكم فزتم في الانتخابات الرئاسية ماذا ستعملون؟ فأجاب على سبيل الدعابة: سنهرب. وهو لديه حس سياسي عال. لا أقول إن اليمن ليست ولادة للرجال، لكني أقول إنه في الظرف الحالي، الذي تحكمه موازين القوى الحالية، هل لدى أحد من المرشحين من لديه القدرة أكثر على قيادة المرحلة؟

  * قلت، في حديث صحفي سابق؛ إن تحت السطح [في السلطة القائمة] طبقات متنفذة ومراكز قوى قائمة على أساس عسكري أو قبلي أو اقتصادي.. برأيك ما الذي على الرئيس عمله كي يتخلص من مراكز القوى هذه؟

 - هناك بعض الجهات تفرح إذا فُتِن بين الرئيس ومن حوله، وهذا كلام غير محسوب، قد يقودنا إلى كارثة. أنا ممن نصح كثيراً من الذين يختلفون مع الرئيس في السلطة بأن يعقلوا.. قلت لهم بودي أن تسقطوا من رأس جبل جميعكم، لكن بلدي تقول توحدوا حتى لاتوصلوا البلد لكارثة.

 خطير جداً أن يفرح البعض لصراع من في السلطة، لذلك نقول: علي عبدالله صالح كبشر، إذا ما اقتنع بالإصلاحات، سيحاول تنفيذها بأقل خسائر ممكنة، ومن بين ذلك ألا يخسر أصحابه، وهذا كلام منطقي.. أدرك أنه من الواجب عليه أن يقلص عمل المتنفذين الفاسدين من أصحابه، ولكني أدرك أن القضية ليست سهلة بل معقدة فهناك نسيج بني على مدى عقود هل تتوقع أن يتغير بلمح البصر؟

 هناك درجات متفاوتة لفهم الواقع لدى الجميع. هناك من لا يدرك أهمية الإصلاحات وأنها أصبحت حتمية، وهناك من يرى أن هذه الإصلاحات ستؤثر على مصالحه وأنه يستطيع التحايل لوقفها. هذان الصنفان يعيشان بعيداً عن الحقيقة، وهناك نسبة أقل تدرك أن الإصلاحات حتمية دونها تُمزق اليمن، وبالتالي ضياع مصالحهم.

 .. لكنه ينشغل في قضايا جانبية

* المشكلة ليست في الرئيس [بشكل شخصي]، لكن عليه أن يجري إصلاحات بسيطة في القضاء.. التعليم..

 - (مقاطعاً) لم يعد الأمر يحتمل الترقيع. حكاية إصلاحات بسيطة لا تكفي، فإما إصلاحات حقيقية وشاملة أو لا.. الإصلاح المرقع لا يفيد. لابد من إصلاحات حقيقية عميقة، وأظن أن أكثر الناس إدراكاً لهذا هو علي عبدالله صالح، لكن للأسف أنه ينشغل أحياناً بأمور جانبية، ويضيع وقته فيها، وأنا أناشده ألا يركز على أمر ويترك أموراً أخرى، بل لابد من أن يعمل بشكل متواز، مع ما يستجد ومع القضايا الأساسية.

  * برأيك ما هي الآلية لإنجاز هذه الإصلاحات؟

 - هذه، يمكن، هي المعضلة، في التاريخ اليمني كله: إما أن نتفق على أسس جيدة ومتميزة وتكون الآلية خربة مهترئة، أو نتفق على أسس بلا آلية. حتى الوحدة كانت الآلية فيها خربة، لأنه تم تحزيب الوحدة حين وقعت بين حزبين.. لذلك نحن حريصون على سلامة آلية الإصلاحات المقبلة، ونرى أن يقود الرئيس علي عبدالله صالح هذه الآلية، ونرى أن يشكل حكومة وحدة وطنية، يرأسها ويضع فيها الكفاءات من كل الأحزاب ومن خارجها، تقود البلاد إلى بر الأمان. وضعنا خياراً آخر في حال رفض الرئيس هذا الخيار، وهو أن نصعد الشارع للضغط لتحقيق هذا، ورأينا هذا مطروح في مشروعنا للإصلاحات الشاملة في اليمن.