الهدر الاقتصادي..هدر لكرامة البلاد
بقلم/ عبدالسلام الاثوري
نشر منذ: 11 سنة و 10 أشهر و يومين
الإثنين 14 إبريل-نيسان 2008 11:43 م

مأرب برس - خاص

ماهي اساس المشكلة الاقتصادية وأساس ضعف الموارد لدينا ؟؟ نحن كلنا نقرر غالبا بالقول ان الدولة ليس لديها موارد قياسا مع مايتوفر لدول الجوار من موارد نفطية عالية حتي تتمكن من النهوض الاقتصادي وتحسين أوضاع الناس ، وهذا الكلام الى حد كبير صحيح لكن المشكلة تتمثل انه ومع محدودية الموارد فاننا نمارس هدرا اقتصاديا واسعا وفسادا مشروعا يتسبب في تقليص قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها التنموية ورفع معدلات الدخل وتخفيف الفقر ومعالجة البطالة ، ويتولد هذا الهدر بسبب ضعف ادارة الموارد وتفشي الفساد في اطار العلاقات داخل بنية الدولة مع أطراف المصالح في القطاع الخاص والمنتفعين ومؤسسات اقتصادية خاصة وعامة وتحول المسئولين الى نشطا في العمل التجاري مستفيدين من مواقعهم في الحصول على امتيازات المناقصات الحكومية والتعاقدات حتى أصبحت قضية الفساد ضمن المطالبات الدولية تجاه الدولة اليمنية لمكافحته حتى تتمكن من تقليص الهدر الاقتصادي وحماية الموارد وتنميتها لتتمكن الدولة من الاستفادة منها لتنمية المجتمع ومواجهة التزاماتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومعالجة الفقر والبطالة .

خلال عام 2006 تم تشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وينتظر الناس منها انجازات سحرية لمعالجة الفساد ومواجهة الفاسدين والتمكن من ادراك وتشخيص مكامنه ومكوناته ، والغالبية من الناس فاقدين الثقة من قدرات اللجنة والقائمين عليها لكبح الفساد وتطويقه ، او مقارعته حسب استخدامات الاخ الرئيس لهذا المصطلح ، واعتقد ان الهيئة ستكون كالباحث عن إبرة في كومة قش، هكذا تبدو عمليات مكافحة الفساد والهدر غير المعلن كما شكلت لجنة للمناقصات وهي في طريقها نحو تشكيل الهيئة العليا للمناقصات ، ويمكن القول ان هذه المؤسسات مهمة وهامة اذا تمكنت من اداء عملها ومسئوليتها ووفر لها الغطاء السياسي والدعم الشعبي للقيام في تقليص الهدر الاقتصادي وهدر الموارد الناتجة عن الفساد وتحويل العابثين للحساب والعقاب.

هناك هدر كبير مازال يتصاعد وبصورة مقلقة يأتي نتيجة الفشل في إدارة الأوضاع الاقتصادية وغياب الروية التخطيطية لتنمية الموارد والأنشطة الاقتصادية المنتجة للثروة ، فالهدر أصبح مجالا للفساد الواسع والفوضى في هدر الموارد بعيدا عن المعايير الاقتصادية وهناك هدر ناتج عن فشل في تنفيذ اقتصاد المعالجات كما هو الحال بتنامي الدعم للمشتقات النفطية وخاصة مادة الديزل في توليد الطاقة الكهربائية والزراعة وزيادة ارهاق ميزانية الدولة بالتوسع في شراء المولدات الكهربائية متعددة الأحجام العاملة بالديزل مما تسبب في ارتفاع معدل استهلاك الديزل حيث يصل حجم قيمة الدعم للديزل عن ملياري دولار لدعم متطلبات إنتاج الطاقة الحكومية والخاصة والأهلية ومولدات المواطنين والمزارعين وهنا يتمثل حقيقة التخلف والفساد في ادارة الموارد الاقتصادية للدولة وسؤفهم لاقتصاد المعالجات ، فخلال أكثر من خمسة عشر عاما لم تقدم الحكومة على معالجة هذه المشكلة بإحلال إنتاج الطاقة الكهربائية بالغاز تفاديا للمخاطر التي نواجهها اليوم ، والمتمثلة بارتفاع قيمة النفط ومشتقاته وانعكاس ذلك على موارد الدولة وارتفاع معدل هدر الموارد من خلال الدعم الذي يصل إلى معدل ثلث ميزانية الدولة رغم إمكانية حل المشكلة بيسر وسهولة فالقضية ليست معقدة كما تبدوا لأصحاب القرار فمشكلة التعقيد هي الفوضى والفساد وتقاطع مصالح البعض مع مصلحة البلد والدولة التي تعاني من هدر مواردها المحدودة والتلاعب بها بعيدا عن أهدافها .

خلال الثمان السنوات الماضية وصل حجم الهدر في جانب دعم الديزل مايزيد عن عشرة مليار دولار وسيصل هذا الهدر خلال عشر السنوات القادمة إذا استمر بنفس الوتيرة الحالية إلى 27مليار دولار وزيادة نتيجة ارتفاع معدل استخدامه والاعتماد عليه في توليد الطاقة وتهريبه ايضاء ، رغم توفر البدائل التي لاتحمل البلاد سوى نسة محدودة من التكاليف وإمكانية تحقيقها بيسر وسهولة بإحلال إنتاج الطاقة الكهربائية بالغاز والأمر يطلب جدية وإرادة وحسن التصرف ،لكن يظهر أن هناك من يستفيد من هذا الهدر الذي تتحمله البلد بصورة مخيفة وهي تواجه ارتفاع معدلات الاحتقانات في الشارع اليمني وزيادة الانفعالات ومشاكل الاختلال الأمني والاقتصادي وما يعكس ذلك من تهديد للوحدة الوطنية واستقرارالبلاد .

نحن أمام مخاطر وتحديات وإشكاليات وكلها تعكس أثرها على مستقبل البلاد واستقراره فخزينة الدولة مقبلة على سنوات عجاف بسبب انخفاض إنتاج النفط ولن يعوضه بيع الغاز للخارج الذي مثل بيعه اكبر عملية هدر اقتصادية مطلقة واكبر عملية فساد كبرى لايدرك مخاطرها إلا من يدرك أهم الغاز الإستراتيجية ، فكمية الغاز التي تم بيعها الى الشركات الاجنبية بسعر بخس كان سيمثل المدخل الكبير لتطوير البلاد تنمويا وحل مشاكل البطالة لو استخدمناه في العملية الإنتاجية وإنتاج الطاقة داخليا وفق احتياجات الاستثمار والانتاج ومتطلبات التنمية من خلال اقامة المدن الصناعية في عموم الجمهورية وتلبية احتياجاتها بالغاز واقامة مصانع الاسمدة وغيرها فالغاز يمثل ثورة للتغيير والنهوض الاقتصادي لو اجدنا استغلاله ، لكن السوال المهم ماذا سنستفيد من بيعه الذي لايساوي حتى قيمة دعم الديزل للكهربا الحكومية التي لاتتجاوز 900ميجاء .

الحكومة تتخبط في موضوع الكهربا وتتخبط في مواجهة الازمة الاقتصادية ومشاكلها وتاثيراتها وتشتكي من ارتفاع الدعم وتقول ان الدعم لايستفيد منه المواطن اليمني الا بحدود 20% وتريد ان تقلص من نسبة الدعم الذي يشكل انهاكا لميزانيتها لكن هل هذا هو الحل حتى وان رفعنا الدعم سنستمر في الخسارة المتمثلة بخسارتنا للعملة الصعبة التي نصرفها في قيمة الديزل المستهلك محليا فإحلال الغاز لانتاج الطاقة سيوفر قيمة الديزل كمورد من موارد العملات الصعبة للبلاد التي تتطلبها عملية التنمية والاستقرار الاقتصادي وسيضيف للدولة مايقارب ملياري دولار سنويا من قيمة الديزل الذي نستهلكه ونستورد النسبة الغالبة منه .

اليوم الدولة تواجه مخاطر خطيرة وخطيرة جدا تتعلق بالمشكلة الاقتصادية وما يترتب عليها تأثيرات كبيرة على حياة المواطنين والتزاماتها الادارية والتنموية والاجتماعية ، وهذه النتيجة تولدت عن سوء إدارة وفساد تضاعف نتيجة غياب المساءلة والمحاسبة والعقاب مما اصبح الهدر يتزايد بصورة يعكس طبيعة الفوضى والإدارة العشوائية في البلاد وبالتالي فمن الطبيعي ان تنعكس طبيعة التحولات العالمية وارتفاع الأسعار العالمية على حياة المواطن اليمني فالبلاد تستورد كل شيء من الخارج ولا تنتج إلا النسبة البسيطة مما تستهلكه حتى النفط الذي تنتجه تستورد النسبة الغالبة من مشتقاته المستهلكة من الخارج وبالاسعار العالمية وتبيعه بسعر مدعوم يتمثل بنسبة 25% من قيمته الحقيقية فارتفاع الأسعار بالصورة المتزايدة والتي ستضل ترتفع بصورة مستمرة خلال السنوات القادمة نتيجة لطبيعة التحولات في واقع الاقتصاد العالمي وعوامل التاثيرات المناخية وارتباكات الاقتصاد الامريكي بسبب ارهاق الحروب والاحتلال للاقتصاد الامريكي وتاثيراته على الاقتصاد العالمي وزيادة ارتفاع أسعار النفط وتحول عدد من الدول المنتجة للسلع الزراعية الغذائية الأساسية في تحويل جزء من انتاجها لانتاج الطاقة بالزيوت العضوية ، الامر الذي سيدفع بالاسعار نحو الصعود وخلق فجوة عرض يقابلها ارتفاع الطلب وستواجه الدول المعتمدة على الاستيراد ارتباكات ونكسات اقتصادية مخيفة نتيجة ارتفاع قيمة الفاتورة الاستيرادية وانعكاس ذلك على طبيعة الاستقرار الداخلى وتزايد استنزاف الموارد الصعبة الامر الذي يجعلها مكشوفة وقد يقع الكثير من الدول في حالات الافلاس والانهيار اذا لم تتوفر لديها الموارد التي تغطي احتياجاتها والتزاماتها واعتقد ان اقتصادنا سيوجه هذه المخاطر خلال السنوات القادمة وقد نجد انفسنا اذا لم نعمل من الان على اعادة تصميم الخارطة الاقتصادية واعادة ترتيب الاولويات فاننا سنكون امام خيار صعب وسنجد انفسنا نستنزف الاحتياطات الخارجية لمواجهة ارتفاع الطلب على تغطية حماية العملة ومتطلبات الاستيراد وتوفير متطلبات الحياة المعيشية للمواطنين من السلع المستوردة .

إن تجاهل الحكومة لمواضيع هامة وبارزة مثل الهدر وإغفال معالجتها بالشكل المناسب لا مبرر له . واللافت أن رئيس الجمهورية والمسئولين الأساسيين في الدولة والحكومة معترفين بحقيقة الهدر ويعزز ذلك تقارير الجهاز المركزي للرقابة المحاسبة وتقارير شركاء التنمية الدوليين لليمن بان هناك فساد كبيرا هدر واسعا لايمكن ان تضمن اليمن استقرارها ونمؤها اذا استمرت على هذا الحال.

ومن الاولويات في تقليص الهدر ومن الاهمية معالجة الثغرات الموجودة في الأنظمة والقوانين ذات الصلة بالمناقصات والمشتريات الحكومية التي تضل مفتوحة وتساعد على الهدر والفساد وتفتح مجالات التحايل والتلاعب وتساعد عبرطرق بابها وسلوك ممراتها لتغطية وإخفاء الارتكابات غير المشروعة . ولا نجانب الحقيقة إذا عددنا أن ما يشجع المتقدمين إلى المناقصات لزيادة الأسعار هو تنسيق مسبق ربما مع اللجان التي تعد دفاتر الشروط الفنية واللجان الأخرى التي تفض العروض وتقوم بدراستها ومن ثم قبول إحداها. ويأتي التساهل الأكثر خطراً وضرراً لاحقاً أثناء التنفيذ حيث تجد البلاد نفسها محكملة بمشاريع سريعة التهالك والمشتريات فاقدة الضوابط ومعايير الجودة والفاعلية .

تدرك الحكومة أكثر من غيرها أن هدراً كبيراً في الموارد والانشطة الحكومية وانشطة القطاع الخاص والعام وتهربات جمركية وضريبية وهروب اموال محلية نحو الخارج وهناك هدر في منح الاراضي ..الخ وهناك هدر يحصل في معظم المناقصات والمشاريع والمشتريات تدفع هي تكاليفها نيابة عن المواطنين الذين يدفعون الضرائب للدولة او تدفع من موارد البلاد المحدودة ، ولا يخفى على الحكومة أيضاً الأسباب التي أدت إلى الوصول إلى هذا الوضع غير المقبول من الهدر والفساد ومتمماتهما، والتي يقف على رأسها ـ أي الأسباب ـ التراخي وعدم المحاسبة ووجود شركاء كثر من مختلف المستويات داخل جهازالدولة وخارجه يقومون بتبرير وتغطية تلك الممارسات مقابل أجر غير شرعي بالتأكيد او عمولات او شراكات او تحويل المناقصات لشركات تتبع مسئولين ومتنفذين . والآن وبعدكل هذا الهدر (العظيم) لا أحد يطالب بطي صفحته، لأن هذا الأسلوب لن يجدي نفعاً بل انه يشجع الآخرين على ارتكابات أفظع. والسؤال: ألا توجد آليات تمنع الهدر وتعالجه؟

لكل مشكلة أسباب عديدة ونتائج كثيرة، ومعالجة النتائج وترك الأسباب كما هي لن يؤدي إلى حلول سليمة وجذرية تغلق الأبواب أمام إمكانية حدوث المشكلة مرة ثانية، ولذلك لابد من الانطلاق لمعالجة مشكلة الهدر من أسبابها المتنامية والتي ذكرنا بعضها آنفاً، وبقدر ما تدرك الحكومة مخاطر الهدر وأسبابه في كل القطاعات فإنها تحتاج إلى الجدية في المعالجة والحزم في الحساب. لقد مُني الاقتصاد الوطني بالكثير من الخسائر بسبب الهدر الناتج عن فساد الادارة وتخلف القائمين عليها، وبات من الضروري إغلاق (مزراب) الهدر الذي يضيع موارد الاقتصاد الوطني ويخرجها بوصفها حقاً من حقوق الخزينة ويضعها في جيوب المستغِلّين والحرامية الذين يشعرون بالامان والثقة نتيجة غياب الفاعلية المؤسسية القانونية للدولة واجهزتها وغياب المساءلة والمحاسبة والعقاب فعندما تغيب سلطة القانون يندر الضمير (( ان الله يزع بالسلطان مالايزع بالقرآن )) .