يومان بلا أمان
بقلم/ أحمد هادي باحارثة
نشر منذ: 11 سنة و 3 أشهر و يوم واحد
الجمعة 11 فبراير-شباط 2011 06:28 م

فشلت في محاولة استدراج بعض من أصحابي في القاهرة أن يكون معي في شقتي بحي ( سفط اللبن ) في يوم جمعة الغضب ويوم سبت الرعب كنوع من الاستئناس والطمأنينة والتحرز ، وهما يومان لن تنمحي ساعاتهما من ذاكرة جميع المصريين لأنها ساعات ترددت فيها الأنفاس بين الحيرة والتوجس والترقب .

عند خروجي من الشقة رآني جاري الساكن في الدور الذي يسبقني ، وهو يعرف مدى إهمالي في فائت الأيام في إغلاق باب البيت بالمفتاح مكتفيًا بجره ورائي ، فرمقني بعينين حادتين وقال بلهجة حازمة : ( المفتاح يا شيخ ).

طمأنته ونزلت .. رأيت الجميع مضطربًا ، يتحدثون في الشارع عن غياب رجال الشرطة وانتشار رجال البلطجة ، يقول رجل مسن ( البلد خربت يا جدعان ) ، وآخرون يتساءلون من سيحمينا هذه الليلة وما يليها من ليال ، ورأيت كثيرين يحملون عصيًا وقضبانًا .

لاحظت غياب مفرش ( أم أحمد ) بائعة الخضار بشارعنا فلما أبصرتها قلت لها ( ما فيش خضار الليلة ؟ ) قالت ( كله موجود بس الحاجات جوه كلها فوق بعضها ) قلت لها ( ليه ؟ ) مع علمي بالسبب لكن لأجعلها تفصح عن ما تشعر به وأشعر به أنا من باب المواساة فإذا بها تنظر إلي كالممتعظة ( هي مش البشر كلها خايفة ؟! ) فحركت رأسي بالإيجاب فأكملت ( وأنا وحدة من البشر ) .

وهنا انطلقت لأول الشارع لأرى سائر البشر الخايفة ، محل البقالة هناك مفتوح النصف الأسفل من بابها السحاب ، والمحل الواسع الذي بجانبه أغلق جزءًا وجعل الآخر نصفيًا كجاره وكلاهما متحرز على جميع بضاعته داخل محله دون عرض خارجي ، وهكذا حال سائر من فتح من فتح محله وأكثر المحلات آثر أصحابها إقفالها .

تتناثر دوائر بشرية وكل شخص يهمس بالأوضاع الجديدة وغير المعتادة ، اتجهت ناحية القهوة ، إنها شبه مظلمة ، لكنها لا تخلو من بعض المرتادين ، الكل يشرب الشاي فمنهم من يلعب الضمنة ومنهم من يتفرج على الأخبار في التلفاز ، رأيت الجو في القهوة أكثر اطمئنانًا فاخترت كرسيًا وطلبت شايًا وقعدت لعل عدوى أمانهم تصيبني .

رفع أذان العشاء ، رجعت إلى محيط بيتي ودخلت المسجد المجاور له ، أتوقع أن يتحدث المصلون عن كيفية حماية الشارع ، رأيت الإمام متوترًا ، وهو شاب في منتصف العشرين يدعى سيد ، توافد المصلون ، صلينا العشاء ، بعد السلام قام سيد ليطلب منا أن نصلي صلاة أخرى تدعى صلاة الحاجة ، وصليناها ، وفي الركعة الثانية انخرط الإمام في دعاء طويل ، يبتهل فيه إلى الله بالأمن والسلامة لبلدنا هذا وسائر بلاد المسلمين .

بعد الصلاة طلبوا منه تهيئة سكان الشارع بكلمة لتنظيم الحراسات وحثهم عليها ، كان سيد ما زال متوترًا ، فما أن حمد الله وصلى على نبيه حتى خفي عليه القول فاكتفى بالصياح ( والله حرام اللي بيحصل في البلد ذه ، حرام اللي بيحصل في البلد ذه ) وصار يكرر تلك الفتوى بانفعال حتى سحب منه المكرفون .

هنا قام شاب آخر متطوعًا بالكلام والدعوة والحث على تكوين مجاميع من شباب الشارع للسهر على حماية أهالينا ، ومما قاله ليشع الاطمئنان في الحاضرين أن الحي آمن وإنما الأمر احترازي وفرصة للحكاوي .

عدت إلى البيت ، وطبعًا أغلقت باب البيت ثم باب شقتي بالمفاتيح بصورة مضاعفة ، ودخلت في صراع مع طفلي ( المثنى والوليد ) على التلفاز ، هما يريدان برامج الصغار وأنا أريد متابعة الأخبار ، وحينما حان وقت النوم أصرت زوجتي على سحب طاولة التلفزيون إلى باب الشقة ، فأجبتها تأكيدًا لطمأنينتها .

لكن لا تعتقدوا أننا نمنا في تلك الليلتين المرعبتين ، كنا نتخيل أن البلطجية متربصين ببيتنا بل بباب شقتنا أو ربما هم وصلوا إلى البلكونة يترقبون غفوتنا . قمت لأتأكد أن باب البلكونة مغلق جيدًا ، لكن ماذا لو كسروه ، إنني لا طاقة ولا قوة لي بهم ، لو دخلوا علينا هل سيكتفون بالسرقة أم سيعتدون أيضًا علينا ؟ ياه إن أسرتي في خطر !! نهضت لأتحسس طفلي النائمين ، قمت وعملت لفة على نافذتي الحمام والمطبخ ، إن نافذة الصالة مغلقة لكن سطح البيت المجاور قريب جدًا منها ، لكنني كنت منذ زمن قد حولت دولاب الملابس إزاءها وهو أكبر وأقوى من أن يستطيع البلطجية زحزحته ، أو هكذا أقنع نفسي لأهدئ من روعها .

كانت ليلة لحظاتها كئيبة وعصيبة ، ومثلها التي تليها أو أقل ، وكانت الليالي التالية أكثر أمنًا وأغزر نومًا ، واللطيف أن دورية أمنية عدت في شارعنا ليلة الاثنين عند الساعة الرابعة قبيل السحر ليصيح صائحها أن المنطقة آمنة والشباب يحرسونها وعلى الأهالي الشعور بالأمان ، استيقظت مع زوجتي مذعورين على هذا الصوت البوليسي .. قالت لي " والله ماني مصدقة إني نمت قبل شوية " ، وقلت في حنق ( إيه العبط ذه يصحينا من النوم ليقول لنا إنكم آمنون ، ويخبرنا بحال عهدناه مذ ليال !! فينهم قبل ليلتين ) .

كنت متأكدًا أن هناك حراسات شبابية لكني في الحقيقة لم أكن على ثقة كاملة من قدراتها ونباهتها ، حتى كان صبيحة يوم اتصل بي صاحب لي يسكن قريبًا من شارعي ليزورني في حاجة في الساعة السابعة والنصف صباحًا ثم إذا به يقول إن الدخول للشارع متعذر بسبب الحراسات الشبابية فهم يمنعون أي وجه غريب من دخول شارعك .

قلت له ابذل محاولات لإقناعهم بضرورة لقائك بي وعرف بهويتك ، ثم انتظرت مدة وجيزة ليرن مرة أخرى ويخبرني بوقوفه أمام باب البيت فخرجت للقائه ، فلمحت على مقربة منه يقف شاب مصري ( شحط ) ، قضيت حاجة صاحبي وحييت ذلك الشاب الذي ظل واقفًا حتى انصرف مع صاحبي ، ولا أخفي عليكم إنني من ذلك اليوم لم أشعر فقط بالأمان بل شعرت كذلك بالزهو ، إذ صرت على يقين أنني أتمتع بحماية فوق العادة ، لكن مشكلة جاري أنني عدت لعادتي في إهمال تقفيل السدة بالمفتاح .