أمريكا الآن .. عين على ليبيا واليمن وأخرى على إسرائيل
بقلم/ د. حسن شمسان
نشر منذ: 9 سنوات و 5 أشهر و 12 يوماً
الخميس 24 فبراير-شباط 2011 06:22 م

من العيب أن نضل نبكي على أطلال موقف مجلس الأمن الذي أظن أنه انتهى بالنسبة لنا كمسلمين يوم الاعتداء الغاشم على غزة، وقبلها العراق، وحينها لم يعد بالنسبة لنا كمسلمين إلا مجلس الغدر والخوف والخيانة، ومن العيب أن نضل نفرق بين هذا المجلس سيئ السمعة والصيت وبين أمريكا وإسرائيل ومحكمة العدل الدولية، فالجميع ملة واحدة تجاه ما يحدث في شرقنا الإسلامي، إنهم جميعا لا ترضيهم الثورات الشعبية ضد الأنظمة الموالية لهم، فلماذا نظل نستنكر الصمت الدولي تجاه قضايانا المصيرية ولهذا أهيب بمنظمات حقوق الإنسان إلا تستنجد بهؤلاء تجاه قضايا تمس الأمة العربية والإسلامية، لأنها لن يهمها في الأمر كله إلا موقع إسرائيل ومصيرها من كل تلك الأحداث.

وما دمنا قد قلنا بأنه ليس ثمة فرق بين أمريكا ومجلس الأمن ومنظمة حقوق الإنسان والمحكمة الدولية فإننا هنا سوف نقصر الحديث على أمريكا وحدها لأنه بيده كل ما سبق، وأميركا في الوقت الراهن لها عينان ترقبان الوضع في الشرق الأوسط، عين على الثورات العربية ومصير أنظمتها، وعين على مصير إسرائيل، ومن يريد فهم موقف أمريكا من السيناريو الليبي فإنه لا يحتاج إلى كثير تأمل ولا حتى إلى قليل ذكاء ليفهم بأنه سيناريو قد نال رضا أمريكا وحلفائها؛ لهذا اكتفوا حياله بالتنديد؛ ووعدوا بدراسة ذلك السيناريو الإجرامي رغبة في تمديد أمده في ذات الوقت الذي نرى فيه جرائم القتل الجماعي للشعب الليبي، لهذا من السهل جدا فهم موقف أمريكا وحلفائها بأنه متواطئ على الدوام تجاه قضايانا وما جرى في غزة كان كافيا لمن كان له قلب. فهم الآن مع القذافي بأفعالهم لأجل عين إسرائيل، وفي ذات الوقت يقفون مع الشعب بأقوالهم التي لم تتعد التنديد، في الوقت الذي تدك فيه أدوات القتل القذافية عبر المرتزقة شعبا أعزلا لا حول له ولا قوة.

هذه حقيقة الأمر لمن يريد أن يلقي السمع وهو شهيد لموقف الغربيين مجتمعين من الديمقراطيات العربية وثورات شعوبها، فهم في حقيقة الأمر لا يريدون لعدوى ديمقراطياتهم أن تنتقل إلى الشرق الأوسط، وإن حاولوا أرضاء شعوبه بأفواههم؛ فإن ما تخفي صدورهم أكبر تجاه هذه الثورات لو كان هناك ذرة من بصيرة أو اعتبار لدى الشعوب العربية ومنظمات حقوق الإنسان؛ إذ هذه الأخيرة لا تزال - على الدوام - تسبح بحمد الغرب واستنجاده وتستنكر الصمت الدولي. والحقيقة التي تتعامى عنها عيون الكثير من العرب أن سيناريو مصر وتونس لم يحض بتأييد الغرب وإن رحب به كذبا وزيفا، وهو لم يحض بذلك التأييد لأنه يشكل خطرا على إسرائيل وأمنها واستقرارها في المنطقة فإذا كنتم مستعدون لضمان أمن إسرائيل أيها الشعوب فابشروا بثورات سلمية تحصدون ثمارها من دون دماء، وإن لم فإن لا بد من الدماء والأشلاء.

ولا بأس حينها بأن تبقى الأنظمة العربية الراهنة ولو كان في مقابل ذلك إفنائكم، وإن كان فات على الغرب ثورتي تونس ومصر، فإن التآمر عليها ما زال قائما، وسوف يأخذ الغرب حذره من الثورات القادمة وهو ما بدا واضحا للعيان في السيناريو الليبي. فهذا السيناريو هو ما كان تتمنى أمريكا وحلفاؤها حدوثه في كل من مصر وتونس، لكن لما كان الجيشان لهاتين الدولتين وطنيين بكل ما تعنيه كلمة وطن، لم يتحقق ذلك التمني؛ إذ فوت الجيشان فرصة ذلك على أمريكا وإسرائيل، ولم يقوما بقمع الشعبين. لهذا كان السيناريو الليبي واستعماله للطائرات وقاذفات الإربيجي ومضادات الطيران مرضيا بدرجة امتياز لأمريكا وحلفائها مهما أبدوه من التنديد الخادع والكاذب، لأن هذا السيناريو - بتصورهم الغبي – سوف يوقف الشعوب من التطلع إلى استمرار الثورات في بلدانها، وأنه سوف يعمل على إيقاف رياح التغيير لمن تبقى من الزعماء الذين يوفرون الغطاء الأمني لإسرائيل، وحتى تعيش هذه الأخيرة باستقرار وسلام. وإذا ما نجح السيناريو الليبي في وقف ثورة الليبيين، أو حتى لم ينجح؛ فإن فيه الكفاية الكافية من ترويع الشعوب الأخرى وحتى تسقط هذه الأخيرة من رأسها إمكانيات التغيير والمطالبة بإسقاط الأنظمة التي لم تسقط بعد، وبهذا تغرب شمس الحرية والى الأبد.

وما دام الأمر متعلق بأمن إسرائيل فإن في تساقط الأنظمة العربية الراهنة تهديد كبير لهذا الأمن، وحتى ضمان ذلك فلا بأس أن يقتل ربع الشعب الليبي أو نصفه أو ثلاثة أرباعه إذا كان في ذلك ما يغني عن أن تتراجع بقية الشعوب عن ثوراتها المرتقبة، ولا بأس إذا لم ينجح هذا السيناريو بوأد الثورة في ليبيا أن يجرب على اليمن، فهي من حيث التركيبية الاجتماعية متقاربة ومتشابهة إلى حد كبير؛ إذ التركيب الاجتماعي في اليمن قبلي مثله مثل ليبيا. والقبيلة التي أظن بأنها خيبت أمل القذافي تظل هي الورقة الأخيرة الذي ما زال النظام اليمني يراهن عليها، وإنه على الرغم من أن ورقة القبائل – كما سبق بيانه – لم تنجح في ليبيا إلى حد كبير؛ حيث اصطف الكثير منها مع ثورة الشباب، فإن القبيلة اليمنية أيضا لن تكون لقمة سائغة أو ورقة محروقة في يد النظام، ولعل الورقتان الأخيرتان بيد القذافي أو صالح - بعد أن فقد الأول حظه في القبيلة وأظن الثاني ستخيب القبيلة رجاءه – لتبقى الورقتان الأخيرتان هما المرتزقة للقذافي، والبلاطجة لصالح وهاتان الوقتان - لا شك - ضعيفتان بل في غاية الضعف، وسترون كيف سينتهي أمر القذافي.

وأخيرا: إن الذي فات أمريكا وحلفاؤها وكذلك أنظمة العرب الدكتاتورية هو ارتباط ثورات الشعوب بالجهاد ونيل الشهادة، لهذا على أمريكا وحلفائها وعمالها في الشرق الأوسط أن يفكروا ألف مرة قبل أن يحاولوا إجهاض الثورات لأنهم بعد تفكير طويل سيصلون إلى نتيجة مفادها أن لا يمكن أن تحول قوة الدنيا مجتمعة بين الشعوب وبين ما تشتهيه من إسقاط تلك الأنظمة العميلة التي لا يكون همها إلا من هم أمريكا وهو المحافظة على إسرائيل وأمنها واستقرارها، وهذا الهم هو ما جعل الثوار يتيقنون أنهم في مواجهة ليس مع أنظمتهم التي لا تعدوا أن تكون أداة بيد أمريكا، لكن المواجهة الحقيقة بين أمريكا والشعوب المسلمة، ومن هنا فإن هذا يؤهل هذه المواجهة لتكون جهاد مقدس يفتح مشاريع للشهادة تختصر للمعتصمين الطريق إلى الجنة التي عرضها السماوات والأرض وهذا المصير الذي ختامه مسك تتمناه كل الشعوب.