الكل مخبر للوطن !!!
بقلم/ عزالدين سعيد الأصبحي
نشر منذ: 10 سنوات و أسبوع و 3 أيام
الثلاثاء 27 نوفمبر-تشرين الثاني 2012 06:19 م
المأساة التي كرسها حكامنا في بلداننا العربية هي أنهم اختزلوا الوطن بأشخاصهم وحولوا الشعب إلى قطيع لا يجرؤ على الاعتراض أو إلى مخبرين على بعضهم وصار المرء لا يطيق سماع كلمة وطني بسبب أننا نسمي أجهزة القمع بالوطنية من الجهاز الوطني إلى البرنامج الوطني والفريق الوطني واللجنة الوطنية والنشيد الوطني وكل ما يخص بقاء الحاكم وموت الشعب نسميه الوطني ولهذا فقد الناس روح الانتماء ولم يعد الوطن يمثل لديهم غير الخوف والرعب !!!

نحن بحاجة أن يعيد الربيع العربي فقط إلى الناس روح الانتماء ثم كل شيء سيكون على ما يرام بدون وجود روح انتماء صادقة يبقى كل شيء مؤقت ومضطرب !!

في هذا البلد يشعر السويسري المتعدد الأعراق واللغات والثقافات بانتماء غير عادي !!

لم اسمع أغنية عن الوطن ودموع ولا فرقة النشيد الوطني فالموسيقى هنا للفرح وإطلاق طاقة الروح والتجدد ولكن رأيت الانتماء بالسلوك اليومي الدقيق من احترام قانون السير إلى دفع تذكرة الباص !

خذ مثلا أنا لشهور طويلة في سويسرا لم أرى حتى الآن مفتش التذاكر بالترام الصغير الذي أخذه بوسط جنيف عشرات المرات ولم اعرف المفتش او الكمساري كما نقول بالباص إلا مرتين تقريبا ضمن الصدف العالمية التي تستدعي تسجيلها في برنامج حدث في مثل هذا اليوم !

والسبب أن الثقة بالمواطن عالية جدا من الدولة وثقة الناس بالدولة والحكومة عالية هي الأخرى ، لا يفكر احد أن يركب الباص وليس لديه اشتراك او تذكرة أبدا !

وعلى العموم إذا زرت جنيف ونزلت بأي فندق فيها سيعطيك بطاقة مجانية تركب بها كل أنواع الباصات الأنيقة جدا والترام التحفة جدا بل والنقل النهري بالقارب كل هذه المواصلات العامة ستكون مجانية فقط استلم البطاقة وإذا طلعت وأنت بدون تذكرة عليك العوض وادفع غرامة تكسر ظهر اللي خلفوك !!

بل ومزيدا بالتعاون أقول لمن يصل مطار جنيف وهو مثل حالتي مناضل في منظمة - كحيانه - يركز وهناك سيجد له تذاكر مجانية تنقله بالباص ويستفيد من تذكرة لمدة ساعة ويوفر أجرة التاكسي الضخمة

وعلى العموم هنا المواصلات العامة هي الأرقى والأنظف والتي يستخدمها الجميع من رئيس البلاد إلى رئيس الصف بالمدرسة والمشكلة هي لصاحب السيارة الخاصة لأنه يدوخ السبع دوخات من اجل ان يجد موقف لسيارته وأجرة الموقف أغلى من أجرة المواصلات ..لهذا المواصلات العامة متوفرة ونظيفة وزحام القطارات والباصات يعد أمرا نادرا فكل أربع دقائق على الأقل تجد باص يسير بموعده وبدقة سويسرية

نحن أفضل منهم لدينا كل دقيقة باص يدقك دق !!

وأنا في أوقات الزهق الوطني استثمر بطاقتي واركب كل أنواع الباصات والترام والقارب وانتقم من مواصلات بلادنا وأسير بكل اتجاه ولا أعطي نفسي فرصه للمقارنة أبدا بعد حوادث لا تذكر مع باصات وطني او الدباب والبيجو وكيف تبكيك حالة القهر

مثلا مشوار المطار من الفندق الى المطار لا يكلفك شيئ إذا استخدمت الباص رقم 5 وستجد معك علية القوم وكبارهم من وزراء ونواب وطلبه يسحبون حقائبهم ويستخدمون الباص وتصل بعد عشر دقائق وكل سبع دقائق ينتظر لك باص

( أتذكر ما حدث معي بباصات الحصبة قبل سنوات وأتخيل أني سأقفز الآن من الترام إلى البحيرة من القهر وأنت تفقد كرامتك بمشوار مواصلات )

ما علينا من الذكريات خلونا بالواقع السويسري المرير الآن الذي لم يعرفوا بعد الربيع الثوري وبما يخص المواصلات أقول بأن بلادنا أكثر تطورا من سويسرا في هذا المجال من حيث توفر الوزارات والمؤسسات الخاصة بموضوع النقل والمواصلات - خذ عندك مثلا نحن لدينا وزارة للمواصلات ووزارة للنقل وهيئة للطرق ومؤسسة للنقل البحري ومؤسسة للنقل الجوي ومؤسسة للنقل البري ومجلس أعلى ومجلس أوطى !! بس مافيش وسائل نقل !!هذا الفارق بس

هم هنا معهم كل وسائل النقل شبه المجانية بس بدون عشر وزارات وثلاثين مصلحة !!

ومافيش معهم مبادرة ولا حكومة وفاق - مساكين -!!

وبلاش استمر بالمقارنة وخلونا نركز على موضوع الانتماء الوطني اليوم وكيف يرى المواطن أن ما يسير عليه وطن يدافع عنه بالانتماء إليه بالعمل وليس القول

لا نجد المواطن يقول عن الحكومة هنا أنها مجموعة لصوص جدد وانتهازيين صغار يمثلون رمز للتفاهة مثلا - أقول مثلا ولا اغمز إلى أي وزير تافه! بالوطن العربي المعطاء

ولا تجد أناشيد تبكيك من الصباح الباكر عن ارض الحضارة ولا شادية وبحبك يابلااااااادي ولا فرقة المخبرين الوطنية تغني لسد مأرب العظيم ألف أغنية وهو مافيش سد أصلا !!وبلقيس أمنا اللي طلعت عينينا !!

كل هذا لا وجود له !

ولكن احذر أن تستهبل وتقف بسيارتك بشارع خلفي بعيدا عن الكاميرات والشرطة وتخالف ولو لدقائق وتقول اركن هنا مؤقتا ولا من شاف ولا من ولا دري! هذا مستحيل ؟!

ستصل إلى البيت وإشعار المخالفة وراءك والمبلغ يضيع راتبك ؟!! لأن كل المارة بالشارع مخبرين للوطن وضد مخالفة القانون وستجد من تطوع وابلغ عن المخالفة بهدؤ وصدق ودقة !

والجار هنا لا يسكت على جاره إذا تأكد انه متهرب من الضريبة لأن هذا سلوك مشين غير مقبول وهو أن تتهرب من دفع الضريبة وجريمة كبرى لأن الضرائب هي رمز انتماء وليس فقط دخل للوطن !

نحن من يعمل بالضرائب ينصحك كيف تسرق الوطن وتتهرب من الدفع وكل موظف بالضرائب في مخيلتنا فاسد إلى أن يثبت العكس !

في مطار جنيف قضى صاحبي ساعة بشريعة مع الجمارك في نقاش تطور وسيذهب بهم إلى المحاكمة حول غضب مفتش الجمارك وسؤاله بحنق كيف يشتري أغراضه الثمينة من خارج سويسرا وهو مقيم بسويسرا ويحرم البلد من ضريبة دخل ؟! رغم أنها أغراض للاستخدام الشخصي ! لكن المفتش الجمركي يرى أن الانتماء يحتم عليك وأنت مقيم هنا أن تفيد البلد وليس بريطانيا !

لن اشرح ما حدث لكن هالني أن يحاضرك مفتش جمرك بهذا البعد !

واذكر من سنوات طويلة وانا ببرلين بالمانيا مع الباحث المعروف الدكتور جونتر اورت الألماني اليمني الهوى أننا كنا سوية وأردنا ان نتخلص من قطعة بالعفش عبارة عن - كنبه قديمه - وإذا طلبنا من الشركة أخذها فالمبلغ مكلف بينما في الشارع المقابل بعض السكان الذين يهون التشرد في مبنى لم يكتمل قلنا بالطريقة اليمنية الأصيلة نعطيهم - الكنبة - ونتخلص منها بحيث نحملها إلى حيث ينامون على الرصيف ويستفيدون منها ! ، وكانت فضيحة بجلاجل ! فبعد أن حملنا الكنبة وانهينا المهمة بنجاح تام وعدنا إلى البيت للاحتفاء بالإنجاز وفعل الخير كما ظننت أنا !! إذا بالباب يقرع ويأتي الشرطي ويطرح ببساطة أن هناك مخالفة بوضع الكنبة المتخلص منها في المكان غير الصحيح وعليه هناك غرامة مخالفة وهناك غرامة نقل مخلفات وغرامة استخدام خاطئ ووووو قصة حزينة ،  والاهم هو قوله أن المعلومات صحيحة وهي من الجيران الذين رأوا ذلك ويقول لصديقي جونتر رأوك وأنت مع شخص اسمر تحملون الكنبة - وهذا الأسمر الذي فضح شكله صديقي لم يكن غيري !! ودفعنا التحويشة وأعادوا الكنبة للبيت تذكرنا بالمأساة والخسارة.