النخب وإعادة صياغة اليمن
بقلم/ عارف الدوش
نشر منذ: 5 سنوات و 11 شهراً و 26 يوماً
الإثنين 23 سبتمبر-أيلول 2013 04:19 م

منذ بداية القرن العشرين الماضي والنخب اليمنية سياسية وعسكرية ووجاهات فشلت في إعادة صياغة اليمن بما يضمن أمنه واستقراره مثل كثير من الدول حولنا في المحيط الجغرافي والعالم ، وفي كل مرة كانت تمر اليمن بمرحلة انتقالية يبرز إما أئمة يدعون الأحقية في الحكم أو عسكر أو وجاهات قبلية تطمح بصياغة اليمن على مقاساتها ومصالحها السياسية والاقتصادية غير عابئة بمتطلبات المرحلة واحتياجات الناس وطموحاتهم. والتاريخ اليمني منذ بداية القرن العشرين الماضي عند خروج الأتراك - ولا نريد الغوص في أضابير التاريخ أكثر- يتحدث عن سيادة غلبة القوة \\\" السلاح والمال\\\".

قرن من الزمان ليس بعيداً في التاريخ عندما خرج الأتراك من اليمن بعد هزيمة الدولة العثمانية والحروب ضد الأتراك سماها بعض اليمنيين نضالاً واعتبرها البعض الآخر فرض هيمنة وتوسع واستئثاراً بالحكم، ودارت حروب عنيفة بعد خروج الأتراك سميت حروب التحرير من قبل البعض وحروب الضم والإلحاق وكسب مناطق خراج وثروة جديدة من قبل البعض الآخر.

وبرغم تعالي الأصوات يومها بضرورة إعادة صياغة اليمن بطريقة تسمح لمكونات المجتمع بالتعايش والتعاون والاتجاه نحو الإنتاج والبناء والتعايش والتكامل لكن الحروب والفتاوى وزراعة الفتن كانت هي الغالبة لتحقيق ما سماه البعض التوحيد أو الفتح. ومأسي حروب التوحيد أو الفتح أو حروب الضم والإلحاق والغزو مدونة ولازالت بعض جروحها طرية.

والتاريخ يتحدث عن نزعات استقلال وتنوع ورفض للتوسع والهيمنة والضم والإلحاق كما اسماها البعض أو عن نزعات انفصال وتقسيم وتشتت كما اسماها البعض الآخر فكان صلح دعان بما حمله من نقاط وشروط أيام الأتراك قد منح استقلالية لمناطق واسعة وطبقت الفيدرالية السياسية والمالية والحكم المحلي من خلال تعيين الحكام والقضاة وتحصيل الزكاة وغير ذلك، وجاء مؤتمر العماقي في تعز الذي تحدث عن رفض الضم والإلحاق وشعارات التوحيد بالقوة ودعا إلى التنوع وتأسيس فيدرالية.

فكانت حروب التوحيد أو ما سميت يومها حروب الفتح التي فرضت نموذج حكم مركزي واحد اضطر بفعل حركات المقاومة ورفض التوسع إلى جز الرؤوس والقضاء على المقاومة والممانعة بقوة الحديد والنار والفتاوى الدينية وحرق الحرث والنسل فأنقاد الناس بقوة الحديد والنار والفتوى الدينية إلى أن تفجرت الثورات المتلاحقة وجزت الرؤوس منذ ثلاثينات القرن العشرين الماضي فكانت ثورة فبراير48م التي أرادت تغيير رأس النظام مع إصلاحات دستورية لتخفيف الاستبداد والطغيان لكنها فشلت فكانت المأساة تهشيم الرؤوس وقطع الرقاب وإباحة العاصمة صنعاء والتنكيل بالمناضلين.

فكان الصلف والعنف والظلم والقتل والسلب والنهب وراء ثورة جديدة في 55م فشلت هي الأخرى أيضاً لكنها أدت إلى تصدع أركان الأسرة الإمامية الحاكمة فكانت أن ازهرت ثورة الـ26 من سبتمبر 62م التي فجرتها طلائع اليمن من العسكريين والمدنيين الشباب والشيوخ ساندتهم كل فئات الشعب بما فيها المرأة بكل عنفوان واقتدار لتنتصر الثورة التي أطاحت بنظام الحكم القديم لتنادي بتغيير أساس الحكم الاجتماعي في اليمن وتنادي بالمواطنة المتساوية وحكم الشعب لا حكم الفرد أو الأسرة أو القبيلة والمنطقة، فارتعشت عروش المنطقة كلها واهتزت تيجان حكامها واعتبرت ثورة سبتمبر62 خطراً ماحقاً قادماً من اليمن يجب واده بسرعة وقوة، فتحالفت العروش وخزائنها والتيجان وحلفائها.

فكانت حروب الثمان سنوات توزعت فيها اليمن بين قوتين كبيرتين في المنطقة \\\" مصر وحلفائها \\\" و\\\" السعودية وشركائها\\\"، فكانت ثمان سنوات من الحروب اللعينة عاد بعدها اليمنيون إلى المصالحة والحوار والسلام وجاءت بعد ذلك حوارات كثيرة منذ مؤتمر حرض بنسختيه الأولى والثانية بين الجمهوريين والملكيين مروراً بحوار الجمهوريين - الجمهوريين وحركة 5 نوفمبر 67م وحوار وإخراج المتسببين بأحداث اغسطس 68 الدامية بصنعاء وحوار الفصائل القومية واليسارية في الجنوب وحوار الجبهة الوطنية الديمقراطية في المناطق الوسطى وحوار الوحدة ووثيقة العهد والإتفاق.

وفي كل حوارات اليمنيين كانت تكتب الوثائق الرائعة والجميلة ويستبشر الناس ببدء مرحلة جديدة لكن تلك الحوارات بما آلت إليه كانت للتهدئة والمراوغة وكسب الوقت فقد كانت القوى القابضة على مفاصل القوة \\\" السلاح والمال \\\" تناور وتخطط بدهاء لإفراغ نتائج الحوارات من مضمونها لتعيد رسم خارطة اليمن السياسية والاقتصادية بما يلبي مصالحها فهي إما تقبل ما يخرج به الحوار لتصنع حربا جديدة تتجاوز بها ما تم التحاور بشأنه \\\" مؤتمرات حرض وما بعدها 5 نوفمبر 67 ثم أحداث اغسطس 68م الدامية\\\" أو \\\" حوار وثيقة العهد والإتفاق ثم حرب صيف 94م المشئومة \\\"و نماذج فشل الحوارات والتاريخ الأثم كثيرة.

ما سبق ليس ضرباً من التشاؤم ولا استدعاء التاريخ للتأزيم وخلق الإحباط بقدر ما هو للتنبيه ودعوة صادقة لليقظة بأننا نعيش مرحلة مفصلية هامة ولأول مرة يتم فيها الوضوح بعمل آليات محددة ومزمنة لضمانات تنفيذ مخرجات الحوار الوطني وحتى لا يكون كسابقاته من جولات الحوار فلابد من التشدد حول ضمانات تنفيذ مخرجاته وإعطاء الوقت المناسب لضمان التنفيذ بعيداً عن الأوهام واستدعاء المقدس سواء كان باسم الدين وسلاح الفتاوى أو باسم الوحدة والتوحيد أو كليهما معاً.

وأخيراً : اليمن اليوم أمام مفترق طرق أما التغيير الكامل لأساس النظام القديم بفيدرالية تضمن احترام التنوع وتفتح المجال للتنافس وتلغي الهيمنة والطغيان والاستبداد، وأما التشظي والتمزق الذي لا توحد بعده فلقد بلغ السيل الزبي وبلغ التشظي مربعات النفوس والقلوب بعد عقود من الظلم والقهر والطغيان .. اللهم إني بلغت اللهم فأشهد.