زمن التحولات المذهلة
بقلم/ هيثم الزامكي
نشر منذ: 8 سنوات و 7 أشهر و 24 يوماً
الثلاثاء 04 ديسمبر-كانون الأول 2012 07:42 م

في زمن التحولات المذهلة, يرفع العقل راية الاستسلام منكسرا أمام طلاسم التغيير العتية على فهمه لعمق الانقلاب الفكري, والتحولات السياسية الحاصلة, وما تناولنا لتلك التحولات العميقة في مقالة صحفية الا جزء من ذلك التحول الذي شمل كل شيء بما في ذلك طرق الرصد والتعبير, فالمجال الطبيعي لرصد هكذا مفاهيم هو البحث والتضمين في كتاب, لكن عصر السرعة والاختزال يجبرنا على تلخيص ما نستطيع لعرض ما نود في مجرد مقالة, نضمنها مفاهيم التغيير التالية.

أولا: الثورات محل الانقلابات: مع انحسار الأيدولوجيات الحزبية, وارتفاع مستوى التشويش لمنهج الحركات الدينية, وتخلف وبشاعة السيطرة المطلقة للحاكم الفرد والعائلة والقبيلة والطائفة على المؤسسات الانقلابية في العهد السابق والمتمثلة بالجيش والأمن, وما حولها من مؤسسات الاقتصاد والإعلام والثقافة والتعليم, وكل ما يمكن للاستثمار إلى يتناوله, وتغليف تلك السيطرة بثقافة الاستهلاك الشهوانية التي أفرغت شهواتها في جسد الفساد السياسي الذي طال كل مكامن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للفرد في بلدان الربيع العربي, وبكل تلك القتامة أغلقت الدكتاتوريات المتخلفة أبواب التغيير بما في ذلك الانقلابات, فكان لابد من انفجار تلك العوامل في الشارع, وهو ما حدث بالفعل وعبرت عنه بأوضح الصور ثورات الربيع العربي.

ثانيا: الخارج الصديق محل الخارج المتآمر: من التحولات الجديرة بالذكر ما يتعلق بالنظرة السلطوية الحالية للخارج, وانتقال تلك الرؤية من زمن العدو الخارجي المتآمر إلى زمن الحليف الاستراتيجي, فلو أخذنا الوحدة اليمنية كمثال للمشروع السياسي المعبر عن هذا التحول سنجد ان الوحدة كانت هدف ومشروع وطني يتأمر الخارج لإفشاله والخطر الأكبر عليه يتمثل في الخارج, أما اليوم وبفعل هذا الانقلاب المفاهيمي الرهيب أصبح الخارج هو الضامن الأول لبقاء الوحدة, حتى ترسخ لدى جزء كبير من مكونات الوعي الجمعي إن مشروع الوحدة اليمنية لا يمكنه الصمود عدة أيام لو تخلى الخارج عن الاعتراف والدعم السياسي لهذا المشروع, بل انه قد لا يصمد لساعات وليس أيام فيما لو تقدم الموقف الخارجي ولم يكتفي بإيقاف الدعم بل تبنى الخيار المضاد والمتمثل في الانفصال.

ثالثا: المغالطات محل الحرفة والمفاوضات: ولعل هذا من أبشع التحولات ويعكس انحدار الوعي السياسي في مخالفة صريحة لقوانين الوعي التي تقتضي أن يكون الوعي السياسي في الألفية الجديدة أفضل إدراك للواقع من سابقه, بمقتضى أن ذلك الوعي أصيل ونابع من صميم المجتمع المحلي, ومع ذلك نجد من الشواهد والمفارقات ما يثبت مدى الهشاشة التي وصل إليها الوعي السياسي اليمني سواء كان من جهة النخب الحاكمة او النخب القائمة بدور المعارضة وصولا إلى النخب الضائعة بينهما, وبمراجعة سياسية سريعة لوثيقة العشرين نقطة التي اعتبرت أساس للبناء السياسي الجديد في اليمن, وبالمنطق السياسي القائم حاليا اعتبر جزء كبير من تلك النقاط بأنها تنازلات لحل القضية الجنوبية, يقدمها الطرف السياسي الحكيم الهادف إلى الحفاظ على الوحدة اليمنية ولو كلفة ذلك التضحيات الجسيمة الواردة في النقاط العشرين, وفي هذا مفارقة عجيبة تبعث على التذمر من فداحة التحولات السياسية التي نعيشها, وتعزز مخاوفنا من أن تصبح تلك النماذج ثقافة سياسية حقيقية ودائمة, وعندها سيكون هذا المجتمع قد وصل إلى درجة العقم السياسي الحقيقي والتي يصبح معها الأمل بحاضر جديد ومحترم ضرب من ضروب الخيال, فكيف يكون إعادة الموظفين والعسكريين المسرحين قسرا عقب حرب 94م, وإعادة الأراضي المنهوبة, وإعادة إصدار الأيام التي أغلقت ظلما وعدوانا, وإعادة الأراضي والمؤسسات المنهوبة...الخ من الحقوق, تنازلات سياسية يستوجب على أثرها أن يهرول الطرف السياسي الجنوبي إلى الحوار مهللا ومكبرا لحجم الانجاز الذي جناة من هذا التنازل السياسي المغلوط.

ما ذكرناه يمثل صور ملخصة لبشاعة التحولات السياسية السلبية التي نعيشها اليوم, وان كانت تلك الصور تبعث على التشاؤم وتزيد التخوف من توقعات المستقبل لمناطق الاضطراب العربية بما فيها اليمن, وبين التشاؤم والخوف يسكن في قلوبنا إيماننا بالله وبحكمته التي لا يدركها إلا هو سبحانه وتعالى, وبأنه سيجعل في ذلك خيرا, وان بعد العسر يسر.

hzamki@gmail.com